samedi 2 avril 2011

مشكلة الحرية الميتافيزيقية


1

بالإمكان معالجة مشكلة الحرية من جوانب مختلفة، وهي مرتبطة بالمذاهب الفلسفية كافة.[1] وأنا مضطر إلى حصر موضوعي في مناقشة الأسس الميتافيزيقية الأساسية المؤدِّية إلى طرح مشكلة الحرية. وقبل كل شيء، يجب إيضاح علاقة موضوع بحثي هذا بالموضوع السكولستي التقليدي عن حرية الإرادة. غالباً ما تُناقَش مشكلة حرية الإرادة من الناحية النفسية والأخلاقية؛ وفي هذه الحالة لا تُطرَح مشكلة الحرية بعمقها الحقيقي. وعندئذٍ فإن طرح المشكلة نفسها يفترض حلاً، وإن الحرية في الإرادة التي تختار. كانت الدراسات اللاهوتية والفلسفية حول حرية الإرادة دراسات مشوهة ونفعية في موقفها من المشكلة، وقد سَعَتْ إلى برهان مقولتَيْ صحة العقل الأخلاقية واستحقاق الإنسان للعقاب.

تُعتبَر حرية الإرادة ضرورية جداً للقوانين الجنائية، في حين كانت في الماضي ضرورية لتأسيس العقاب ما بعد الموت. والمهم أن أنصار حرية الإرادة المتطرفين كانوا، إلى حدٍّ كبير، أعداءً لأنصار حرية الروح وحرية الضمير. وأكثر أشكال المعارف الدينية تسلطاً أسَّست بناءها التحتي على حرية الإرادة. أسَّس لوثر الحرية الدينية على النفي الجذري لحرية الإرادة. وسوف أهتم [الكلام لبرديائيف] بمشكلة الحرية خارج هذه التشويشات النفعية، أي مشكلة حرية الروح، كبداية كامنة في الأساس الأولي للوجود.

نحن نرى أن مسألة الحرية لا يمكن أن نستخلصها من الوجود، أو أن نؤسِّسها على الوجود. وموضوعي سيكون على الأقل موضوعاً نفسياً. لا يمكن معالجة مشكلة الحرية بوصفها سكونية، بل ينبغي أن تُعالَج معالجة دينامية، مع مراعاة الأوضاع المختلفة وأطوار الحرية. وهذا ما فعله القديس أوغسطينوس الذي تكلَّم على الحرية الأساسية الأولية [الكبرى] والحرية الثانوية [الصغرى].[2] وتحدث عن أحوال آدم الثلاث في علاقته بالحرية – قبل وأثناء وبعد الخطيئة.[3] وتأتي من القديس أوغسطينوس هذه النظرية عن حرية الإنسان التي ترى أن حرية الإنسان تقوده بالضرورة إلى الشر لأنه في عمق الإنسان الميتافيزيقي توجد حرية لأجل الشر، وينبغي بالضرورة أن تقوده الحرية للخير. إن الحرية تملك ديالكتيكيَّتها الداخلية الخاصة، مصيرها الواجب تعقُّبه ومتابعته.

تُفهَم الحرية في سياقين مختلفين: أولهما هو سياق الأحاديث العمومية، وثانيهما هو سياق المعارف الفلسفية. ويبدو الاختلاف في فهم الحرية في الأحاديث العمومية أكثر وضوحاً مما هو عليه في الفلسفة. وتوجد حريتان: حرية أولى لاعقلية، حرية الاختيار، الخير والشر، الحرية كطريق، الحرية التي تسيطر، لكن ليس الحرية التي تتم السيطرة بها، أي الحرية التي يقبلونها بوصفها الحقيقة وبوصفها الله، وليس هذه التي تُنال من الحقيقة ومن الله؛ وهذه هي الحرية، بوصفها لاحتمية، وبدون أساس. وتوجد حرية ثانية: حرية عقلية، حرية في الحقيقة والخير، حرية كهدف وكتحقُّق أعلى، حرية في الله ومن الله تُنال. عندما نقول إن إنساناً ما بلغ الحرية فهذا يعني أن الطبيعة الأعلى انتصرت فيه على الطبيعة الأولى، لأن عقله مَلَكَ شهوته، ولأن الأساس الروحي لديه أخضع عناصر النفس – وهذا يعني أننا نتكلم على الحرية الثانية. وعن الحرية الثانية يقول الإنجيل [كلمته]: "تعرفون الحق والحق يحرِّركم." هنا تصبح الحرية حقيقة، هي ليست "البداية الأولية". وهذه ليست تلك الحرية التي من خلالها يصل الإنسان للحقيقة. لكن عندما نقول إن الإنسان اختار لنفسه بحرية طريق الحياة، وبحرية يسير على هذا الطريق، فنحن عندئذٍ نتكلم على الحرية الأولى.

لم يعرف الإغريق الحرية الأولى، الحرية الكامنة في الأساس الأولي لدرب الحياة، الحرية التي تتقدم على العقل وعلى معرفة الحقائق، لكنهم عرفوا فقط الحرية الثانية، الحرية العقلية، الحرية التي تمنح إدراك الحقائق.

هكذا عرَّف سقراط الحرية. فَهْمُ الحرية، كلاحتمية، كان غريباً عن المدارك اليونانية. كل عالم التأملات عند اليوناني يشدُّه لفهم الحرية كعقل، فانتصار على الفوضى. البداية الديونيسية[4] هي بداية الحرية.

اليوناني خاف اللانهاية. في الحرية أيضاً كهاوية، كبداية لاعقلية، لاحتمية، توجد لانهاية رهيبة وإمكانية انتصار للفوضى. وهذه الحرية كانت بالنسبة لليوناني مادية. الحرية الحقيقية هي انتصار الصورة. كانت تصورات اليوناني سكونية، بيد أنها كانت جمالية تأملية لهرمونيا العالم. الديناميَّة ترتبط بالحرية، وهذا ما لم يفهمه اليونان؛ فهذه كانت حدود مداركهم. من المهم أن أبيقور وحده اعترف بالحرية كلاحتمية، وربطها بالمصادفات.

كانت المثالية اليونانية غير ملائمة ومناقضة للحرية. المدارك اليونانية هزمها تعلقُ الإنسان بالله أو الآلهة، بالمصير الذي كان الله أيضاً تابعاً له. فمنذ العهد المسيحي من التاريخ العالمي كُشِفَ الشكل الحق للحرية الأولى، الحرية اللاعقلية، المرتبطة ليس بالصورة، إنما بالحياة الأولية المادية. ومع هذا الفهم للحرية ترتبط فكرة الخطيئة الأصلية، وقبول حقيقة الحرية؛ وفي أساس السيرورة الكلِّية تكمن الحرية اللاعقلية الأولى.

انبنت صعوبة المعارف الفلسفية على مقولات الأفكار اليونانية. فهم الحرية اللاعقلية الأولى لاحتمي بالضرورة؛ وهذا يعني أنه لا يمكن إنتاج مفاهيم عقلية من الحرية؛ وكل المفاهيم العقلية عن الحرية هي عقلنةٌ، وفي العقلنة مقتل لهذه الحرية، كما يقول برغسون. إن السر الأولي للحرية هو بحق حدٌّ للمفاهيم العقلية. لكن معنى هذا النوع من الحدود ليس رفضاً للمعارف، ليس هو المذهب اللاأدري، بل هو بلوغ المعرفة. إن المذهب الذي دعاه الكاردينال نقولا الكوزاني، أحد مشاهير الفكر الأوروبي، بـ"الجهل العالِم" docta ignorantia، هو نفسه من مكاسب المعرفة. قد يكون ما نحصِّل من المعارف ذات البنية الأخرى عن اللاعقلي أكثر مما نحصِّل عن العقلي. الجديد الذي أدخلتْه الأفكار الفلسفية الألمانية بالمقارنة مع الأفكار الفلسفية اليونانية هو تنظيم لمشكلات المعرفة اللاعقلية كأساس أولي. ونجد جذور هذا في الصوفية الألمانية التي أنجبت الفلسفة الألمانية. إن الحرية لا يمكن أن تُعرَف من خلال المفاهيم السكونية؛ فهي ديناميَّة ويمكن فقط أن تُعرَف دينامياً. وما يقرِّبنا من سرِّ الحرية هي فقط دراسة الحرية الديناميَّة وديالكتيكيَّتها الداخلية.

2

تقود ديناميَّة الحرية إلى مأساة تدمير الحرية لنفسها. الحرية اللاعقلية الأولى تولِّد أكثر من نواتها. لا يوجد أي ضمان فيها بأنها سوف تولِّد الخير، أو بأنها سوف تتجه إلى الله، أو بأنها سوف تحفظ وتصون نفسها. الحرية اللاعقلية الأولى تملك صفة مصيرية تقودها لتدمير نفسها، منتقلة للطرف المعاكس لها ومولِّدة الضرورة. عندما تمشي الحرية في طريق الشر فهي تضيِّع نفسها، وتسقط في الحيِّز الذي تُنشِئُه الضرورة. فيصير الإنسان عبد الطبيعة، وعبد الأهواء الدنيئة.

تنطوي الحرية اللاعقلية الأولى على إمكانية الفوضى في حياة النفوس المفردة وحياة المجتمع. الحريةُ بدون صلاة صوريةٌ، لا تختار لنفسها شيئاً، خاملة، لامبالية بالحقيقة والخير، تُختَزَل إلى طلب الإنسان والعالم وإلى عبودية البيئة والأهواء. وهكذا تصير الضرورة الطبيعية تشكيلة من الدرجة الثانية، مقابل أسبقية الحرية الأولية. الضرورة هي بنت الحرية. فمن الخطأ، إذن، أن تتَّجه إلى ما يتجزأ به العالم، فتؤكد ذاتها وتقود إلى الاستعباد المتبادل.

الحرية الأولى – في حدِّ ذاتها – تثبت الحرية إثباتاً واهناً. إنها دائماً تسعى لنفي وإبعاد خطر الفناء عن نفسها. وهذا الوهن أدَّى بالقديس أوغسطينوس إلى نفيها، وبالقديس توما الأكويني إلى تقييدها والجور في حقها، إذ رأى أن الحرية التي لا تشبع ولا تخضع للحقيقة ليست محتِّمة للخير، بل هي نقص.

الحرية الثانية حرية عقلية، حرية متضمنة في الحقيقة والخير، تقود لتماهي الحرية مع الحقيقة والخير ولتوليد منظمات وهيئات اجتماعية ودينية، تُتَوخَّى فيها الحرية لكنها تتكشف عن كونها ربيبة الضرورة. فإذا كانت الحرية الأولى تقود إلى الفوضى فإن الحرية الثانية تقود إلى الاستبداد الثيوقراطي أو الشيوعي.

الحرية الثانية هي حرية ذات محتوى، مادية، خاضعة، تابعة للحقيقة وللخير. لكن إذا أُخِذَتْ على هذا النحو فهي تنفي حرية الاختيار، تنفي حرية الضمير، تقود إلى المنظمات والهيئات الجبرية في الحياة. وبهذا الشكل فإن الحرية تتطابق إما مع الضرورة الإلهية (في الثيوقراطية) أو مع الضرورة الاجتماعية (في الشيوعية). إذا كانت الحرية بالمعنى الأول تحمل بذاتها خطر تدمير حرية الإنسان نفسَه وجورِه، فالحرية بالمعنى الثاني تحمل بذاتها خطر ونفي حرية الإنسان بشكل عام. الحرية الثانية هي، في الجوهر، حرية الله، النفس الكلِّية، العقل الكلِّي، حرية المجتمع المنظم، لكنها ليست حرية الإنسان. الحقيقة (أو هذا ما يُظَنُّ عن الحقيقة) تنظيم الحرية، لكن لا حرية في غياب الحقيقة.

الحرية الثانية لا تعرف هذا الذي قاله وعبَّر عنه بعظمة دوستويفسكي على لسان المفتش الأكبر للمسيح: "أنت تمنيت حباً حراً للإنسان لكي يمشي هو وراءك بحرية مفتتناً ومسبباً وأسيراً لكَ." الحرية الأخيرة العليا أنا أستطيع اقتبالها فقط من الحقيقة، لكن الحقيقة لا يمكن قسراً أن تجبرني – قبول الحقيقة تشرطه وتفرضه حريتي وحركتي باتجاهها. ليست الحرية مجرد هدف، بل هي طريق أيضاً.

المثالية الألمانية في بداية القرن التاسع عشر (فيخته، هيغل) واحدية بطبعها، استُلهِمَتْ من حماس الحرية، لكنها في الجوهر لم تعرف حرية الإنسان؛ عرفت فقط الحرية الإلهية، الأنا الكلِّية، الروح الكلِّية. الحرية الأولى بذاتها تقود إلى تدمير الحرية. والحرية الثانية أيضاً هي نفي لحرية الإنسان من أساسها. وهنا تكمن مأساة الحرية، التي منها، على ما يبدو، لا يوجد أي مخرج. تنتصر الحرية إما على فوضوية البيئة والأهواء، أو على الضرورة أو الخيرات والنِّعَم الإلهية. الفلاسفة يضعون عادة العلاقة بين الحرية والضرورة في مركز مشكلة الحرية، وفي هذا يرون المشكلة الرئيسية. لكن التحدي للأكبر لمشكلة الحرية يكمن في العلاقات بين الحرية والخيرات الإلهية، بين حرية للإنسان وقدرة الله المطلقة وحرية الله. تاريخ الأفكار الدينية واللاهوتية في الغرب مملوء بنقاشات مرتبطة بمشكلة العلاقة بين الحرية والخيرات الإلهية.

والمسألة غالباً ما طُرِحَت على هذا النحو: إذا كان الله موجوداً، وإذا كان قادراً مطلقاً وحراً، وإذا كان للخيرات الإلهية أثرٌ على الإنسان والعالم، فأي مكان إذن يبقى للحرية الإنسانية؟

هذه المشكلة التي أقضت مضجع القديس أوغسطينوس نصل إلى أشدها في مؤلَّف لوثر في الإرادة المستعبدة الموجَّه ضد إيرازموس.[5] لا ينفي لوثر فقط حرية الإنسان، بل يعتبر معنى الحرية ذاته كافراً وعديم التقوى. هل توجد حرية الإنسان فقط بمعنى الحرية النابعة من الطبيعة ومن الطبيعة الذاتية، لكن وأيضاً بمعنى الحرية النابعة من الله؟

إذا كانت الحرية الأولى تمتص العناصر والأهواء الطبيعية وتبتلعها وتزيدها، إذن فالحرية الثانية تمتص وتبتلع النِّعَم الإلهية وقدرة الله وقوَّته.

حرية الإنسان منتفية إذن، سواء كان الإنسان متعلقاً بالطبيعة الكلِّية القدرة أم كان متعلقاً بالله الكلِّي القدرة. نحن نرى أن الإنسان كذلك ليس حراً إذا كان متعلقاً بذاته بطبيعته الخاصة، مادامت طبيعة الإنسان هي جزء من طبيعة العالم. الحرية الإنسانية تبدو كما لو أنها مجزأة إلى طبيعة عليا ووسطى ودنيا. يقول علماء اللاهوت: إن الإنسان يصبح حراً، يملك الحرية، من فعل النِّعَم الإلهية. وحدها الطبيعة الإنسانية الخيِّرة يمكن أن تسمى حرة. وبهذه الحالة يدور الحديث عن المعنى الثاني للحرية. وهذه هي الحرية التي تمنح الحقيقة التي هي قدرة وطاقة تؤثر في الإنسان وتحرِّره. لكن هل الإنسان حرٌّ بعلاقته بالحقيقة، بعلاقته بالنِّعَم؟ هل توجد حرية تتقدَّم عمل وفعل النِّعَم؟ هل توجد حرية تقبل الحقيقة والنِّعَم؟ هل توجد حياة روحية تحدِّد مصير الإنسان؟ وما الأفعال المتبادلة بين الحرية والنِّعَم؟

علم اللاهوت المسيحي، في صيغه السائدة، يحدِّثنا عن تأثير الحرية ونفوذها، النِّعَم. لكن الحرية تثبت هنا موضوعياً كمفهوم، وليس لصالح الإنسان، فلا يُفهَم على أي شكل يمكن أن تسوِّغ حرية الإنسان.

حرية الإنسان تملك مصدرها الخاص من الله، وحلُّ المشكلات مؤجَّل. وإذا كان الله يمنح الإنسان حريَّته يجب على الإنسان إذن أن يعترف بارتباط حريته بالله. أي توجد في الجوهر فقط حرية الله ولا توجد حرية الإنسان. أيضاً لا توجد بالمعنى الحقيقي للكلمة حرية الإنسان إذا كانت متعلقة بالوسط الاجتماعي والطبيعي وإذا هي استندت إلى شروط خارجية.

نقف عندئذٍ أمام سؤال: هل يمكن تأسيس حرية الإنسان على الإنسان نفسه، على طبيعته الإنسانية، على المصدر الداخلي الذي يبقى إنسانياً؟ إذا أصبح عمق الإنسان إلهياً – وهنا يجب البحث عن الحرية – لأصبحت الحرية إذن إلهية، وليس إنسانية. ولكن عجباً، هل يوجد عمق في الطبيعة الإنسانية يستطيع أن يبرهن على حرية الإنسان، وبالتحديد حرية إنسانية؟

3

حاول بعضهم أن يدلِّل على حرية الإنسان انطلاقاً من جوهرية النفس الإنسانية. النفس الإنسانية هي جوهر، والحرية هي ما يتحدَّد من داخل هذا الجوهر، ومن قدرة الجوهر الإبداعية، وليس من الخارج. هذا النوع من البرهنة على الحرية اختص به المذهب الروحاني. وأهم نظريات الحرية أسَّسها الروحانيون مستندين إلى فكرة الجوهر، وينتمي لها الفيلسوف الروسي ل. م. لاباتين[6] الذي طوَّرها في الجزء الثاني من كتابه مسائل الفلسفة الحتمية. وإلى هذا النوع من حلِّ المشاكل الفلسفية ينتمي دي بيران. وبهذا يدافع هذا النوع من الروحانية الكامنة في الطبيعة الإنسانية كما لو أنه يملك إمكانية بديلة عن الوحدانية المثالية التي تثبت دائماً الحرية الإلهية أو الروح الكلِّي، ولكن ليس حرية الإنسان. وعندما يحدد هيغل الحرية بكلمات هي "الحرية ينبغي أن تكون في ذاته"[7] فإن معنى هذا في الجوهر عند هيغل على هذا الشكل: "أن تكون في ذاته" [8] يمكن أن نجده فقط في الروح الكلِّي، لكن ليس في الإنسان. وبخصوص الروحانية من النوع الذي عند لاباتين فهي تبلورية، ولكنها ليست واحدية. الحرية هي صيغة خاصة من العِلِّية الداخلية؛ الحرية في النهاية هي الحتمية، لكنها حتمية من الداخل، من الجوهر ذاته، وليس من ارتباطاتها. لكن الروحانية التبلورية لا تحلُّ أيضاً مشكلة الحرية، وهي بذلك أشبه بالمثالية الوحدانية.

نظرية الجوهر ليست أبداً مناسبة للحرية. إذا كانت الحرية تحدد طبيعتي وجوهري فهي إذاً محتَّمة بهذه الطبيعة الجوهرية. إذا حدَّدتُ طبيعتي فهي صيغة حتمية، كما لو أني حددت الطبيعة الواقعة خارجاً. وأن تكون تابعاً لطبيعتك الذاتية الخاصة، وبمقدار من الحرية، أفضل من أن تكون تابعاً لأية طبيعة غريبة. وعلى هذا النحو، نجد في جوهر طبيعتنا الحذر، أساس الحرية، وبنفس الوقت الحرية بدون عمق وبدون أساس. الحرية التي لا تملك جذراً ولا أساساً، التي هي غير متجذِّرة في أيِّ شيء، لا يمكن أن تكون متجذِّرة حتى في الجواهر، في جوهر طبيعة الإنسان. فهذه النظريات تدمِّر سرَّ الحرية اللاعقلي. لا تتحدد الحرية بالطبيعة، بل هي التي تحدِّد الطبيعة.

الجوهر الفرد مقولة طبيعية، لكنْ هو نتاج، ليس بفضل العلوم الطبيعية التي لا تحتاج للجوهر، إنما بالميتافيزيقية الطبيعية. إن نظرية كانط وشوبنهور عن الطابع الذهني المتيقِّظ وعن الحرية الكامنة خارج عالم الظواهر تنطوي على شيء من الحقيقة؛ فالحرية فيها لا تتعلق ولا بأي طبيعة. لكن هذه النظرية تعاني من الثنائية، التي بها الحرية تُنقَل إلى الشيء بذاته ولا تملك أيَّ مكان في عالمنا الظاهري هذا. والصحيح هنا التضاد الأساسي بين نظام الحرية ونظام الطبيعة. ولا ينطبق على الحرية أيُّ تحديد له علاقة ما مع الطبيعة أو مع الجواهر المفردة. لا تملك الحرية أية جذور في الوجود ولا يمكن لحرية الإنسان أن تتحدد، وخصوصاً بالنعم الإلهية.

لا يمكن أن تملك حرية الإنسان مصدراً في الطبيعة الإنسانية أو في الجوهر الإنساني أو في طبيعة العالم. لكن عندئذٍ هل يمكن أن نتصور الحرية؟ تصبح مشكلة الحرية بشكلٍ غير عادي مبهمة الجذور، ويملك العقل إغراء نفي حرية الإنسان. لكن عندما يتصور حرية الله، عندئذٍ يميل لمطابقتها مع الضرورة الإلهية، كما لو أنه لا مكان في الوجود للحرية. وأغلب أنصار فلسفات علم الوجود كانت منظوماتهم حتمية.

إن الوحدانية حتمية دائماً وليس فيها مكان للحرية. ويقود حماس الحرية إلى شيء من الثنائية التي ليس لها طابع أنطولوجي. إن تصور الحرية وتأسيسها ممكن فقط من خلال تمييز الروح عن الطبيعة، ومن خلال تشكيل كيفيات أخرى للعالم الروحي أكثر نوعية من عالم الطبيعة.

لا يمكن أن تعترف الروحانية الميتافيزيقية المنقولة بنظريات الروح والعالم الروحي والحياة الروحية، والتي هي صيغة طبيعية تفهم الروح كطبيعة، كجوهر مادي. لكن الروح ليست طبيعية وليست جوهراً، وليست حقيقة بمعنى حقيقة طبيعة العالم. مشكلة الحرية هي مشكلة الروح، وهي لا تُحَلُّ ولا بأية ميتافيزيقا طبيعية للوجود.

4

إذا كانت الحرية لا يمكن أن تكون متجذِّرة في أي وجود، في أية طبيعة، في أي جوهر مادي، إذاً يبقى طريق واحد يثبت الحرية – هو الإقرار بأن مصدر الحرية يُعتبَر العدم، الذي منه صنع الله العالم.

تتقدم الحرية على الوجود، وتحدد بنفسها طريق الوجود. الحرية ترتيب ونظام مختلف عن ترتيب ونظام الوجود. الحرية حقيقة، لكن ليس بالمعنى الذي فيه العالم حقيقي. تتكشف الحرية فقط بتجربة الحياة الروحية، ويُكشَف عنها باختبارٍ عن العالم. الحرية ليست فقط بالتجربة الخارجية مع العالم الخارجي الظاهري؛ كذلك لا توجد في التجربة النفسية ولا توجد في التجربة مع أية طبيعة كانت. فالعالمان الطبيعي والنفسي دائماً حتميان. ينكشف سرُّ الحرية بكيفية خاصة من التجربة الصوفية فقط. العالم الروحي يختلف من حيث الكيف عن العالم الطبيعي، الواقع فيه جسمُنا ونفسُنا، وأبداً ليس هو العالم الكانطي، عالم الأشياء بذاتها. ومن الخطأ أن نقول إن الحياة الجسمانية والنفسانية هي ظاهرية، بينما الحياة الروحية هي الشيء بذاته. فهذه ثنائية عقيمة، تقود لنفي إمكانية التجربة الروحية نفسها. وهذا ما نراه نحن عند كانط الذي لم يسلِّم بإمكانية التجربة الروحية؛ بينما الحرية تتكشف فقط بالتجربة الروحية. وليس المقصود أن الحرية الثانية وحدها أعلى حرية في الحقيقة، لكن الحرية الأولى اللاعقلية، الحرية الأولية أيضاً. التجربة الروحية فقط تكشف لنا ما يتقدَّم على وجود عالمنا الطبيعي وتقودنا للتلامس مع الهاوية واللاأساس، اللذين لا يملكان أساساً في أيِّ وجود، وحتى في داخلنا أو فينا، لا في العالم ولا في الله.

كلُّ أساس ثابت للحرية مرتبط مع الأفكار المتوجِّهة بشكلٍ غير عادي إلى العالم الطبيعي ومع الدليل الأساسي الذي يصير حتمياً، لكن في العالم الطبيعي، وهو لا يدخل في مراتبيَّة العالم الطبيعي. لكن هو وضعية ذات نوعية أخرى، فيها يذوب العالم الطبيعي بكل مراتبه الخاصة. وهكذا يتكشف في التجربة الروحية ما إذا كانت الحرية متجذِّرة في شيء ما؛ إذاً هي متجذِّرة في العدم المتقدِّم على كل وجود، المتقدِّم على العالم المخلوق.

وهذا يعني أن الحرية هي هاوية بلا قاع؛ واللاقرار واللاأساس يمتدان إلى العدم. وهذا هو الـUngrund عند يعقوب بوهمِه. وهذا يعني أن الحرية مرتبطة بالإمكانية التي هي أعمق من الوجود الصوري والوجود الحيوي. إن إمكانية وجود العالم متقدِّمة على وجود العالم نفسه.[9] وبحسب علم اللاهوت المسيحي خلق الله العالمَ من العدم. وهذا يعني أن الله خلق العالم من الحرية. وبعبارة أخرى يعبِّرون عن هذا: إن الله خلق العالم بإرادته وحرِّيته. وهذا لا يعني أن الله خلق العالم من المادة، كما ظن قدماء الإغريق، مادام العدم ليس مادة إنما هو حرية.

وإذا كانت الحرية متجذِّرة في الوجود فإنها إذن كما لو أنها متجذرة في الله أيضاً ومن الله؛ أي أن حرية الإنسان والخلق الحر لولا ذلك لما وُجِدا.

لكن خارج الله يوجد العدم الذي منه خلق الله العالم؛ وفي العدم المصدر. العدم الحرُّ هو خارج الله الخالق في اللاهوت السلبي،[10] لكن هو بداخل اللاهوت الإيجابي.[11] العدم من هذه الحرية ينبثق إلفة في العالم المخلوق نفسه، والعالم المخلوق يتوسع من إمكانيات هذه النواة الخفية. الحرية في ذاتنا هو هذا العدم الحر. نحن رُضَّع الله ورُضَّع العدم الحر.

الحرية الثانية أيضاً حرية في الحقيقة، ومن الحقيقة نحصل عليها. والحرية الثانية هي أعلى حرية، هي تغيير وتنوير الحرية المعتمة الأولى والعدم اللاعقلي من خلال فكرة الإبداع الإلهي عن الإنسان والكون من خلال اللوغوس، ومن خلال فعل النِّعَم الإلهية. هذا التحوُّل والتنوير يبلغ حدَّ التأثير المتبادل بين قوى الله المبدعة وخيرات الله والحرية الأولية (اللامخلوقة)، والتحول والتنوُّر هما نتيجة فعل النِّعَم الإلهية على الحرية من الداخل بدون قهر وجَبْر.

الحرية الأولى هي حرية ممكنة [ويوجد احتمال التضاد][12]؛ الحرية الثانية هي حرية حيوية، هي تحقق للحقيقة، وإنارة للظلمة. والحرية الثانية لا توجد بدون الحرية الأولى.

كنَّا رأينا أن الحرية الثانية، مأخوذةً بذاتها، تولد في الظلم ولا تَقهَرُ مأساة الحرية. حرية الإنسان العليا ليست هي طبيعة الإنسان وليست الجوهر الفرد للإنسان، إنما هي الفكرة الإلهية عن الإنسان، صورة الله ومثاله في الإنسان.[13]

الشخصية ليست فردية الإنسان الطبيعية، إنما هي فكرة إلهية، بل تحقق فكرة الله عن الإنسان، شرط أن يكون فعل الحرية مرهون بالعدم. إن المسيحية فقط هي التي تعرف سرَّ استعمال الحرِّيتين وقهر مأساة الحرية. وهذا هو فعل النِّعَم الإلهية على حرِّيتنا وتنويرها من الداخل.

5

مع أن الحرية، الموجودة كإمكانية بالقوة أرسطياً، تتقدم على كلِّ وجود وهي رهينة في أغوار العدم فإنها ترتبط مع إمكانية الجديد واحتمال الإبداع في العالم. وإمكانية التغيرات والتطور في العالم تعود إلى الحرية. نحن نرى التطور على سطح العالم الطبيعي فقط. لكن نظرية التطور، بوهنٍ تام، تفهم مصدر التطور في العالم. فهم هذا ممكن فقط بالانتقال من الحركة الأفقية إلى الحركة الشاقولية في البعد الباطني. شاقولياً يجري الإبداع هذا على السطح كتطور. ووراء كل التطورات في العالم تكمن الأفعال الإبداعية؛ والأفعال الإبداعية أيضاً تتشرط الحرية؛ والحرية تتشرط إمكانيات لا غور لها ومتكئة على العدم. بدون ممكنات، بدون العدم في العالم، لا توجد تحولات، لا يوجد تطور، لا يوجد إبداع. نظريات أرسطو عن الممكن [الموجود بالقوَّة] والموجود بالفعل تحتوي تنطوي على حقيقة عظيمة، لكنها تتشوه وتؤوَّل وتُحدَّد بسهولة.

أخاف اللانهائي وغير المحدَّد Apeiron عند اليونان. لذلك، في أغلب الأحيان وبدون نضج، فسَّروا معنى الإمكانية كما جرى بعد ذلك في الفلسفة السكولستية. في الإمكان يوجد أكثر مما يوجد بالفعل، وفي الإمكان يوجد اللانهائي. في الفعل دائماً تحديد. ولانهائية الإمكان هي مصدر الحرية، وهي مصدر التحولات المبدعة والجديد في العالم. الوجود الحيوي للعالم هو مجال نهائي ومحدد بالمقارنة مع الإمكانية اللانهائية وغير المحدودة، واللاأساس الكامن تحت الوجود والأعمق منه. التطورية في العالم تمثل لنا حتمية مُحدِّدة للتأثيرات المتبادلة بين القوى العالمية والمادة وتوزيعها. لكن الإبداع ليس حتمياً؛ الإبداع، بصريح العبارة، هو دائماً إبداع من عدم، أي من الحرية. الإبداع حرٌّ، وهو إبداع لاحتمي، يصطدم بالقوى العالمية وبتغيراتها، ولا يتحدَّد بها.

يمكن القول فقط إنه بحياة الإنسان وحياة العالم توجد إمكانية عظيمة، إمكانية حياة جديدة وعالم جديد. التطورية الحتمية هي عقيدة رجعية، والدارونية والماركسية رجعيتان، ولو أنهما تضمَّان علماء ثوريين، لأنهما لم تُسقِطا العقائد الدينية التقليدية. فقط إمكانية الحرية المبدعة تُحدِث ثقباً في أنظمة العالم الرجعية المنغلقة على نفسها، التي بها فقط احتمال إعادة توزيع المادة والطاقة.

يثبت المذهب الطبيعي هذا الانقلاب الرجعي في أنظمة العالم. وهذا المذهب الطبيعي أحياناً يقبل صيغ اللاهوت الطبيعي. ولكي لا يتمثل العالم بهذه الأنظمة الرجعية المنغلقة فمن الضروري عندئذٍ وجود المصدر الذي لا غور له والإمكانية اللانهائية، أي العدم الحر كمتقدِّم على الوجود وعلى الوجود المُحدَّد.

في البدء كان الكلمة، اللوغوس. هذه هي الحقيقة الأبدية بالعلاقة مع فكرة الوجود الإيجابية والقطعية كلِّها. فالعالم ما كان يمكن له أن يُخلَق وأن يبدأ بدون لوغوس. لكن في البدء كان أيضاً العدم، الإمكان [الوجود بالقوَّة]، الحرية. وهذه الحرية وهذا العدم كامن خارج الوجود لأنه هنا لا يوجد تضاد مع هذا. ما كان في البداية هو اللوغوس، واللوغوس نزل إلى العدم، ومن هذا العدم خلق العالم. الشمس أشرقت فوق اللاأساس، الأعمق من الوجود، اللوغوس الإلهي، بتفاعل متبادل مع الحرية. ولذلك فإن مشكلة الحرية ليست مشكلة حرية الإرادة الأخلاقية والنفسية، إنما هي مشكلة ميتافيزيقية عن بداية الأشياء. حدث لقاء لانهايتين: الإمكانية غير المحدودة، لانهائية العدم ولانهائية حيوية، ولانهائية إلهية، من النور الإلهي.

6

رأينا أن الحرية الثانية يمكن أن تُفهَم بشكل مغلوط، وعندئذ تنقلب إلى القسر والجَبْر. لكنها، بمعناها الحقيقي، ليست نفياً للحرية الأولى، وهي مشروطة حتماً. الحرية الثانية أعلى، هي حرية نهائية وتحرُّر حقيقي للإنسان وللعالم. والتحرر الحقيقي يصبح وعياً ويحقق الحقيقة التي تضم بذاتها الحرية. وبلوغ الحرية العليا كهدف للحياة هو بلوغ الروحانية الحقيقية. الروح هي الحرية، وفي الروحانية وفي الحياة الروحية لا توجد تحديدات خارجية ولا يوجد جَبْر ولا استثناءات. الاستثناءات مع جَبْر أحد الأجزاء للآخر هي خاصية العالم الطبيعي. والحياة الروحية هي حياة حرة؛ وفي هذا سمتها القانونية. وببلوغ الروحانية تُقهَر وتلغى مأساة الحرية، وتُنزَع تناقضاتها التي يُتصوَّر بأنها لا تقهر.

الروحانية الحقيقية هي إنارة للحرية اللاعقلية التي مازالت مظلمة، بدون تدميرها وبدون استعمال القهر عليها. مشكلة الحرية لا تُحَلُّ في حدود الفلسفة العقلية.

ديالكتيك الحرية لا يجد كماله وتمامه، ودعائمه وأسسه تبقى. لكن المعارف الفلسفية يمكن أن تبلغ حدودها وتخرج عن هذه الحدود معطية حلولاً نهائية لمجالات أخرى.

وأنا ميَّال للقول إن مهمة الفلسفة تشمل كلَّ مجالات المعرفة. وكشف ديالكتيك الحرية الفلسفي يقودنا إلى المسيحية كحلٍّ إيجابي وحتمي لمأساة الحرية، مأساة الحرية والضرورة. مشكلة حرية الإنسان صعبة لدرجة ما. وهي بالنسبة للأفكار الفلسفية تُحَلُّ فقط بفكرة الإله–الإنسان والإنسانية–الإلهية، التي تقع خارج حدود الفلسفة الصرف. فقط في الإله–الإنسان ينكشف مخرجٌ من حدود شرِّ الحرية ومن الضرورة الخيِّرة. الحرية المملوءة بالحب ليست حرية الإنسان الأول – والمحافظة أيضاً على الحرية الشريرة إنما هي حرية آدم الثاني، حرية الحب المنتصرة على البداية المظلمة في الحرية. وهذا لا يعني، بالطبع، أنه في الفلسفة المسيحية وعلم اللاهوت المسيحي، كما في المسيحية العملية، وُضِعَتْ دائماً، وبشكل صحيح، حلول لمشكلة الحرية. بالعكس هنا حدثت إحباطات كثيرة وكبيرة.

فكثيراً ما تناقضت الحرية والنِّعَم وفُهِمَتْ الخيرات الإلهية كقسر فوق الحرية. لكن الوعي المسيحي، في "نقائه" المثالي، يتضمن بذاته حلاً لمشكلة الحرية. خارج المسيحية، بشكل جوهري، لا بدَّ من الحتمية. كلُّ الفلسفات الطبيعية حتمية. وقد حاولت الفلسفة الروحانية أن تبرهن على فلسفة، فإذا بها تجعل هذه الفلسفة ضعيفة ومتناقضة، مطابقةً هذه الحرية مع الجوهر الفرد، أي مع مقولات طبيعية.

ويُعتبَر الأكثر صعوبة في الميتافيزيقا المسيحية المشكلةَ المتعلقة بمهادنة حرية الإنسان مع الإله الكلِّي القدرة ومع الإله الكلِّي التدبير. على هذا الأساس ولدت نظريات عن القَدَر بلغت أقصى تعبير لها عند كالفن – وكان القديس أوغسطينوس قد شعر هنا بصعوبة كبيرة. وطريق الأفكار الأكثر صحة هنا هو الذي من خلاله نعترف بأن الحرية هي حدود النبوءة الإلهية وأن الله نفسه يشترط حدوداً لنبوءته، وبذلك يريد الحرية، وفي الحرية يرى مغزى الخلق. وبهذا الاتجاه قال سيكريتان في كتابه فلسفة الحرية.[14] وهذا الكتاب من أفضل البحوث الفلسفية عن الحرية.

7

الحرية تكمن في أساس نية الله عن العالم والإنسان. الحرية تولد الشر، لكن بدون حرية حتى الخير لا يوجد. والخير القسري هذا ليس خيراً. وهنا يكمن التناقض الأساسي للحرية. حرية الشر هي، على ما يبدو، شرط حرية الخير. دمِّروا الشر قسراً بدون بقايا، ولا شيء يتعطل من أجل حرية الخير. ولهذا السبب مازال الله صابراً على وجود الشر. الحرية تولد مأساة الحياة؛ لذلك فهي صعبة وقاسية. الحرية أقل سهولة من أيِّ شيء آخر، والحياة في الحرية أقل سهولة من أية حياة أخرى. ومن الأسهل العيش وفق الضرورة. كانت عند دوستويفسكي أفكار عميقة عن الحرية، وافترض هو أن الأصعب على الإنسان أن يحمل حرية الروح، حرية الاختيار؛ والأسهل على الإنسان أن يرفض الحرية باسم تخفيف آلام الحياة من خلال هيئات الخير القسرية (الثيوقراطية والأنظمة الشيوعية). ومن الخطأ التفكير أن الإنسان بصفة خاصة يحافظ على الحرية؛ فبالعكس هو أعمى. وإلى ذلك فهو يظن أن هبات الحرية قَدَرية، فلا يدافع، ولا حتى بشكلٍ ضئيل، عن الحرية.

أنا هنا لا أتكلم عن الحرية بالمعنى السياسي، لكن، بشكل استثنائي خاص، عن الحرية بالمعنى الميتافيزيقي. لكن للحرية الميتافيزيقية حياة، آثار عملية، وانعكاسات الاجتماعية. لا توجد أية تعابير متجانسة للحرية الميتافيزيقية في الحياة الاجتماعية. فههنا العلاقة معقدة جداً ومشوشة. تُفهَم الحرية بمعناها الميتافيزيقي العميق؛ فيجب الاعتراف أن الحرية ليست أبداً حق الإنسان أو طموحه، إنما هي من واجب الإنسان.

يجب أن يكون الإنسان حرَّ الروح، يجب أن يحمل وسام الحرية حتى النهاية، لأنه في الحرية تتلخص فكرة الله عن الإنسان ومثاله. يطلب الله أن يكون الإنسان حراً، ينتظر من الإنسان فعل الحرية. وحرية الإنسان ضرورية لله أكثر من الإنسان نفسه. الإنسان يرفض بسهولة الحرية باسم سهولة الحياة، لكن الله لا يمكن أن يرفض حرية الإنسان، لأنه بها ترتبط غاية الله من العالم المخلوق. نظريات الإرادة الحرة، التي عادة ما يدافع عنها علم اللاهوت المسيحي، هي تسطيح لمشكلة الحرية وتوفيقها مع الأهداف النفعية. نظريات الحرية يجب أن تكون مرتبطة مع نظريات الروح التي استطعتُ إيصالها.[15]

مشكلة الحرية هي مشكلة فلسفية رئيسية. منها لا تتلاقى كل العقائد الفلسفية (ميتافيزيقا، نظرية المعرفة، الأخلاق، فلسفة التاريخ) فحسب، إنما أيضاً تتلاقى الفلسفة مع علم اللاهوت. تاريخ الدراسات التاريخية عن الحرية هو، بمقدار هام وبدرجة كبيرة، تاريخ الدراسات الإيمانية واللاهوتية عن الحرية. ويملك القديس أوغسطينوس ولوثر بالنسبة لإشكالية الحرية معنى أهم من الفلاسفة السكولستيين. من هنا لم أستخدم الفلسفة وحسب، إنما أيضاً علم اللاهوت. وبغير ذلك تستحيل معالجة هذه المشكلة في عمقها. ويمكن تصنيف أنواع العقائد الفلسفية بمواقفها هذه أو تلك من مشكلة الحرية. فدراسة الفرق بين مشكلة الحرية في الفلسفات اليونانية القديمة وبينها في الفلسفة المسيحية توضح لنا تاريخ وعي الإنسانية لذاتها. فهنا تتلاقى مشكلة الحرية مع مشكلة النهائي واللانهائي. الإغريق مثلاً اعتبروا التام نهائياً؛ والنهائي هو حتمي. أما اللانهائي فكان بالنسبة لهم غير تام، وهو ليس حتمياً. التام هو وضع تحديد، أي حتمي. هذا الفهم جرى في العصور الوسطى السكولستية، حين تمَّ تبنِّي فلسفة أرسطو، أي الشكل الرئيسي في نظام القديس توما الأكويني. لكن في العالم المسيحي انكشفت اللانهائية، فاتضحت الحرية بكونها لاحتمية، حيث عند أورجينس نجد التعاليم الأولى عن الحرية. وتختلف الفلسفة الألمانية عن الفلسفة القديمة والوسيطة بأنها ترى أن اللاعقلي هو في أساس الوجود، وهذا اللاعقلي يساعد على بحث مشكلات الحرية. لكن المثالية الألمانية تميل للواحدية المثالية، التي تُطمَس فيها مشكلة الحرية مرة ثانية وتختفي حرية الإنسان. والأهم هنا يبقى شيلينغ: دراسات فلسفية حول جوهر الحرية الإنسانية.[16] الفلسفة المسيحية الحقيقية هي فلسفة الحرية، والحل الأصيل في مشكلة الحرية يمكن أن يُبنى انطلاقاً من فكرة الإله–الإنسان. وأفضل ما تطرحه الفلسفة الروسية الدينية هو فهمها لمشكلة الحرية كلاحتمية ولانهائية.

*** *** ***

ترجمة : د. حليم أسمر


[1] بحث برديائيف مشكلة الحرية في آثاره فلسفة الحرية، معنى الفعل الإبداعي، معنى التاريخ، وكتابه فلسفة الروح الحر.

[2] Libertas minor u libertas major.

[3] Posse non peceare, non posse non peceare u non posse peceare.

[4] الديونيسية: نسبة للإله ديونيسوس، أشهر الآلهة اليونانية؛ ويُعتبَر ديونيسوس إله الخمر والكرمة والمرح، ويُعَدُّ حامي الفنون الجميلة، ولاسيما الكوميديا والتراجيديا. (المترجم)

[5] إيرازموس: هولندي، إنسانوي النزعة وضد لوثر. (المترجم)

[6] ل. م. لاباتين: فيلسوف وعالم نفس روسي. كان صديقاً مقرباً لفلاديمير سولوفييف، وقد انتمى إلى الشخصانيين، وسعى إلى إثبات ضرورة الميتافيزيقا وتأسيس مفهومها ومجاله. والحرية عنده تفصل كلَّ حي عن عالم اللاأحياء. والأنا تبقى مطابقة لذاتها، وهي جوهر سرمدي. والعالم، برأيه، يحتوي على مجموع ما فوق الزمني، والمراكز الداخلية – المونادات الحية (حيث كل موناد هو جوهر واحد) – وقوى الذات والسيرورة. والعلَّة المطلقة لهذه الجواهر الديناميَّة المتناهية هو "الله". (المترجم)

[7] Freiheit ist bei Selbst zu sein.

[8] Bei sich Selbst zu sein.

[9] التقدُّم هنا بالمعنى الأرسطي. (المترجم)

[10] اللاهوت السلبي: يسعى للإفصاح عن جوهر المطلق وما وراء الله بطريق البحث والتقصي، برفض أو "سلب" كل ما يُنسَب لـ"الله" من تحديدات غير متناسبة مع طبيعته. قام بذلك غريغوريوس النيسي في القرون الوسطى ونقولا الكوزاني. (المترجم)

[11] اللاهوت الإيجابي: هو صورة مغايرة عن اللاهوت السلبي، يصف الله بواسطة الصفات المدركة والإشارات (الرموز). (المترجم)

[12] ما بين معقوفتين من تدخلنا. (المترجم)

[13] تكلَّم على هذا بشكل جيد ن. لوتسكي في كتابه حرية الإرادة.

[14] La philosophie de la Liberté.

[15] الدراسات عن الروح مبسوطة في كتاب برديائيف فلسفة الروح الحر.

[16] Philosophische Untersuchurgen uber das Mesen der menschlichen Freiheit.

عملت الفلسفة الفرنسية في القرن التاسع عشر الشيء الكثير في بحوث مشكلة الحرية – مين دي بيران، رينغويه، بوترو، فون سي تسيف، فوله، برغسون وآخرون.

mercredi 30 mars 2011

نظرية "المعرفة-التربية" القرآنية الشاملة


بقلم البروفيسور أبو يعرب المرزوقي

يمكن أن نحلل نظرية "المعرفة-التربية" الشاملة القرآنية من حيث هي فن قائم الذات على مرحلتين أولاهما تدرس
مقومات نظرية المعرفة الشاملة والثانية تحدد دلالة التطابق بينها وبين نظرية التربية الشاملة:
فأولاهما ندرس فيها هذه النظرية من خلال مفهومين يستعملان عادة بمعنى الترادف وهما مختلفان تمام الاختلاف: الطريقة والمنهج في فعل الإنسان وانفعاله خلال التعلقات الإنسانية الخمسة بالوجود عامة التعلقات التي هي عين أصناف القيم الخمسة وموضوع التنافس بين البشر ومن ثم فهي لحمة العمران وسداه. ونعين دلالاتها الفلسفية من خلال تحليل سريع للمآزق التي آل إليها الحل النقدي الكنطي.
والثانية نبين فيها التطابق بين نظرية المعرفة الشاملة ونظرية التربية الشاملة في القرآن الكريم وعلاقة ذلك بما في النص من خصائص حددت المواصفات التي ينبغي أن تتحقق في منهج فهمه وقراءته. وهي عينها أدوات التعليم عامة والتعليم الاسمى او التعليم الديني خاصة.
وبذلك يتبين أن اكتشاف كل مناهج القراءة والفهم المناهج التي تقبل الجمع تحت اسم واحد هو الهرمينوطيقا عامة بمعانيها اللسانية والتاريخية (شكلا) والفلسفية والدينية (مضمونا) في الفكر الديني عامة وفي التعليم الديني خاصة(1) لم يكن مجرد صدفة بل هو ضرورة لا تخلو منها تجربة تاريخية بشرية سواء كان نص دينها منزلا أو طبيعيا لصلته الحتمية بالآداب والتاريخ جمعا لأصناف القيم الخمسة إما لذاتها أو لتعلقه بأحكامها الدينية والخلقية: الذوقية والرزقية والنظرية والعملية والوجودية.
المرحلة الأولى مقومات نظرية المعرفة وعلاقتها بالطريقة والمنهج:
فالطريقة هي المميز الأساسي للصلة بين فعل المعرفة وفاعلها (الطريقة) والمنهج هو المميز الأساسي بين فعل المعرفة وموضوعها (المنهج) في كل ضروب التعلق القيمي بين الإنسان من حيث هو مستخلف وأي موجود من الموجودات من حيث هي مجال ممارسة الاستخلاف: طريقة التعلق الذوقي ومنهجه فعلا وانفعالا وطريقة التعلق الرزقي ومنهجه فعلا وانفعالا وطريقة التعلق النظري ومنهجه فعلا وانفعالا وطريقة التعلق العملي ومنهجه فعلا وانفعالا وطريقة التعلق الوجودي ومنهجه فعلا وانفعالا من منظور الوعي بهذه التعلقات التي هي بدورها موجودات يتألف منها مفهوم الاستخلاف عندما تكون الطريقة والمنهج في الفعل والانفعال جاريين بحسب الاحكام الشرعية وهما مصدر مفهوم الطاغوت في حالة جريانهما بغير هذه الأحكام ناهيك عن جريانهما بالتعارض معها.
لكن القرآن الكريم استعمل مصطلحين شبيهين بمصطلحي الطريقة و المنهج هما مصطلح الشرعة و المنهاج (المائدة 48) لوصف العلاقة بين الدين الكلي في تعاليه وتعينات فعل تحقيقه في التاريخ الفعلي بفضل التنافس المشار إليه في نفس الآية. ما المقصود؟ فلنحاول فهم الفرق بين الطريقة والمنهج أو بين الشرعة والمنهاج من خلال التمييز بين علاقة فعل المعرفة بفاعله وعلاقته بمفعوله. فعلاقته بفاعله يمكن تسميتها الطريقة التي يفعل بها الفاعل فعله: وغالبا ما تكون صفات هذه العلاقة من جنس خلق التعامل. وعلاقته بمفعوله يمكن تسمتيها المنهج الذي يحقق انفعال الموضوع بالفعل: وغالبا ما تكون صفات هذه العلاقة من جنس النجاعة التقنية.
فيتبين من ذلك أن الطريقة أقرب إلى أخلاق الفعل ليكون على أحسن وجوهه قيميا وأن المنهج أقرب إلى تقنيات الفعل ليكون على أحسن وجوهه تقنيا. فيكون معيار المنهج الحذق التقني ومعيار الطريقة السمو الخلقي. ومعنى ذلك أن الإنسان يمكن أن يحقق فعلا بحذق تقني مقتصرا على النجاعة التقنية مع المواد أو مع البشر فيكون ذا حذق تقني وقد يكون مع ذلك فظا وغليظا. فإذا أضفت إليه الطريقة في فعل العلم التقني كان ذلك سياسة الفعل وليس تقنية الفعل فيكون سمحا ولطيفا. ومن الأمثلة على ذلك ما يقوله القرآن للنبي في طريقة سياسته الجماعة: "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك". فهذا وصف للطريقة. أما منهج التربية مثلا أو تقنياتها فهي واحدة في كل التجارب إذا كانت فعلا تربية: إذ هي حذق المادة المعلمة وحذق فنيات التبليغ التقنية.
لكن كيفية استعمال التقنيات التربوية هي الطريقة التي تحقق المطلوب أو تحول دون تحقيقه. وأول قواعد الطريقة جعل المربى هو نفسه مشاركا في فعل تربيته بالتزام ذاتي كما يبين ذلك ابن خلدون في كلامه عن اخطار التربية التعسفية. وإذا كان سقراط قد طبق ذلك في التكوين المعرفي فإن الرسل تتجاوز ذلك إلى ما هو أعم قصدت التربية التي هي تكوين شامل وبصورة أدق فإن الاسلام قد جعل التربية تحقيقا لكل أبعاد الانسانية ومقوماتها نقلا إياها من الفطرة الغفلة إلى الفطرة الواعية بنفسها في مجالات القيم الخمس: الذوق (تربية ذوقية) والرزق (تربية اقتصادية) والنظر (تربية معرفية) والعمل (تربية سياسية) والوجود (تربية وجدانية روحية).
وكل من قرأ القرآن الكريم بتمعن يعلم أن كل الآيات المسددة لخطى النبي في السياسة والتربية تتضمن الكلام عن الطريقة خاصة لان المنهج يمكن ان يعد من شؤون الدنيا وهو كما أسلفنا شبه متفق عليه بسبب استناده إلى علوم وضعيه بالأساس تتعلق بتقنيات التبليغ وأولها تمكن المعلم من الاختصاص الذي يبلغ مضمونه للمتعلم. لكن الصعب هو التعامل مع المخاطب بالبلاغ. ففضلا عن الاية التي قدمنا يمكن ذكر الآيات التي تشير إلى الاقتصار على التذكير والاقناع دون التشهير والفرض من أمثال العبارات: ليست عليهم بمسيطر أو أفأنت تكره إلخ... وكلها تتعلق بالطريقة. لكن الطريقة التي تعتبر بديلا من تربية الرسول المسددة بالتوجيهات الالهية هي الطريقة التي وصفت في القرآن بمفهومين هما: مفهوم التواصي بالحق في الاجتهاد ومفهوم التواصي بالصبر في الجهاد. لذلك اعتبرهما الله مرادفين للإيمان والعمل الصالح وشارطين للاستثناء من الخسر.
فالتواصي بالحق يجعل الحق حصيلة عمل مشترك بين طلابه فيصبح أصل الاخوة المتعالية على العرق وعلى كل أسباب التمييز بين البشر. والتواصي بالصبر يجعل العمل به خاضعا لنفس المعيار وبنفس التعالي. فلا بد أن يكون العمل مشتركا بين القائمين به حتى يكون عملا حقا. لذلك اعتبرنا هذين المفهومين مصدر المؤسسات البديل من المؤسسات الوصية التي نفاها القرآن لكونها مصدر الطاغوت. فلا وجود لكنيسة روحية (النخب الدينية) ولا لكنيسة عقلية (النخب العلمانية) بل مؤسسة التواصي بالحق ومؤسسة التواصي بالصبر هما اللتان تشرفان على الاجتهاد منهجا للنظر بطريقة التواصي بالحق والجهاد منهجا للعمل بطريقة التواصي بالصبر. الاجتهاد منهج يطوع الموضوع النظري بشرط أن يكون بطريقة التواصي بالحق والجهاد منهج يطوع الموضوع العملي بشرط أن يكون بطريقة التواصي بالصبر(2) .
وحتى نتمكن من إيضاح هذه المسألة العويصة سنصوغها بلغة الفلسفة المعاصرة وسننطلق من الوظيفة التي ينسبها البعض إلى نقد كنط الثالث(3) : نقد ملكة الحكم. فالموضوع الثالث الذي تصوره البعض جسرا يصل بين العلمين النظري والعملي لنا فيه رأي مختلف تماما عن الرأي السائد قد يستعصي على الكثير فهمه. ونصدر في رأينا عن هذا التصور الإسلامي العميق لنظرية المعرفة الشاملة التي هي عين منزلة الإنسان المستخلف في العالم. لذلك فسنحاول شرح هذا الرأي بأقصى ما يمكن من الوضوح عملا بالإحكام الشكلي الذي هو عين البيان الذي يتصوره ذوي الفكر النعسان منزلة دون العرفان فضلا عن البرهان!
إن موضوع نقد ملكة الحكم فاقد للوحدة التي تبدو موجودة في موضوعي النقدين الآخرين. فهو يجمع بين موضوعين مختلفين تمام الاختلاف. والإبقاء على النقد الثالث منفصلا عن النقدين الأول والثاني يفيد أنهما هما بدورهما فاقدان للوحدة بالنقص الذي ألغى ما بدا لصاحبهما فيهما من فضل على فعلهما. فالقسم المتعلق بالجميل والجليل من نقد ملكة الحكم غير لأنه تابع للنظر كما سنرى. وكان من المفروض أن يتبع نقد العقل الخالص. والقسم المتعلق بالغائي العضوي والغائي الكوني من نقد ملكة الحكم غير لانه تابع للعمل كما سنرى كذلك. وكان من المفروض أن يتبع نقد العقل العلمي. فيتبين عندئذ أن كلا النقدين متداخلان بغير التقابل الكنطي بل بروابط لا تنفصم هي منطلقنا إلى ما ورائهما من مقوم موحد هو عينه الأصل الذي تناسبه نظرية"المعرفة-التربية" من المنظور القرآني: الوحدة بين الوجدان والفرقان في كل مدارك الانسان.
وهبنا اقتصرنا على الفهم الكنطي لملكات الفكر الإنساني. فيمكن أولا أن نعتبر القسم الأول من موضوع نقد ملكة الحكم البعد الانفعالي من النظر الذي لم يدرس منه كنط في نقد العقل الخالص إلا البعد الفاعل الذي ينسب إليه الفاعلية في النظر. فكلا البعدين من مفاعيل ملكة الحكم فاعلة بصورة الإدراك في نقد العقل الخالص ومنفعلة بمادته في نقد ملكة الحكم. فالحكم في النظر فاعل وهو الذي يصوغ المادة: وهو ما يعنيه كنط بالتعالي أو قبلية التصوير العقلي لمادة الحدس شرطا للتجربة ولموضوعها وللخاصيتين الضامنتين لموضوعيتها ( الكلية والضرورة).
لكنه في إدراك الجميل والجليل منفعل إذ يبدو دور الصوغ المؤثر في ملكة الحكم ناتجا عن المادة نفسها (وهي مضمون الخيال المبدع ) والفكر يتلقاها أو هو ينفعل بها. ومثلما يبلغ فعل العقل حدود الوظيفة التحديدية فيضطر إلى الوظيفة التوجيهية حيث تتجاوز قدرته التصويرية المادة التجريبية من تصوير فتتولد المثل في نقد العقل الخالص فكذلك يبلغ الانفعال أقصاه في إدراك الجليل حيث تبلغ قدرة المادة اللاتصويرية ما يحتمله فعل ملكة الحكم: فيكون التجاوز الميتافيزيقي في فعل النظر الذي يدرسه نقد العقل الخالص مناظرا للجليل الذي يدرسه نقد ملكة الحكم في انفعاله بحيث يكون ما لا يقبل التصوير من المادة عين الجليل مثلما كان ما لا يقبل التمديد من الصورة عين المثال !
ويمكن ثانيا أن نعتبر الحكم الغائي في نقد ملكة الحكم ممثلا للبعد الانفعالي من فعل العقل العملي الفاعل في نقد العقل العملي. ذلك أنه يوجد نفس التناسب بين بعديهما التناسب الذي وجدناه بين بعدي النظر وبعدي الحكم الجمالي والجلالي. فالغائية العضوية من نقد ملكة الحكم تناسب الاخلاق من نقد العقل العملي والغائية الكونية من الأول تناسب الدين من الثاني: فتكون الميتافيزيقا العملية(4) في فعل العمل من نقد العقل العملي مناظرة للدين في انفعاله من نقد ملكة الحكم !
لكن التحليل العميق في بداية تخلصه من تصور كنط لملكات الفكر يبين أنه ينبغي أن نعكس التوصيف في كل هذه الحالات. ذلك أن بداية النفاذ إلى حقيقة الأمر في العمق هي ما نصفه هاهنا. فالعقل ليس فاعلا في نقد العقل الخالص إلا وهما لأن كل تصوير يفترضه العقل في فعل التصوير المشرع للطبيعة لا بد أن يعيد فيه النظر بلا توقف ولا غاية. ومن ثم فما ظنه كنط فعلا ليس فعلا في الموضوع بل انفعال به لكون فعل التصوير العقلي يفعل في ذاته أكثر مما يفعل في المادة وذلك بتغيير فعل التصوير إلى ما لانهاية: وتلك هي علة تطور المعرفة العلمية المتواصل. إنه في الغاية منفعل بالمؤثرات التي تفرض عليه تغيير ذاته لكون تاريخ النظر هو التخلي المتوالي إلى غير غاية عن كل أفعال العقل السابقة من أجل فعل فرضي للتلاؤم مع فعل المادة المعرفية التي يشبه تأثيرها التطويع المستمر لما يسدله عليها العقل من شبكات نظرية:ليس هو خائط مسبق يفرض مقاسا على لابس مخيطاته إن صح التعبير بل هو خائط على القياس اللابس هو المحدد فيه للمقاييس.
وبالمقابل فإن العقل في القسم الأول من نقد ملكة الحكم ليس منفعلا إلا وهما لان التصوير الذي يتحقق في الأثر الفني تصوير خالد فلا يحتاج العقل إلى تغييره بل إن الحياة الإنسانية كلها هي التي تتغير بمقتضى تذوقها لذلك الأثر. فيكون العقل في هذه الحالة هو الفاعل والمادة هي المنفعلة. وبذلك تم العكس في قضية العلاقة بين الأمرين النظري وما يناسبه من نقد ملكة الحكم.
كما أن العقل العملي ليس فاعلا في نقد العقل العملي إلا وهما لان كل تحصيل عيني لطاعة الإنسان الأمر الخلقي الجازم يشترط التخلي عن كليته الصورية ليتأثر بالدوافع العينية فيكون الفعل الخلقي فعلا حقيقيا ذا قيام فعلي في الوجود المشار إليه لئلا يبقى مقصورا على الوجود الذهني. فيكون العقل هنا كذلك منفعلا لا فاعلا بحيث تصبح أوامر العقل العملي الجازمة من جنس الفرضيات النظرية تتغير بلا غاية اللهم إلا إذا كان قصد كنط بالمثل العملية مجرد أسمائها لا حقائقها التي هي فاعليتها بتعيناتها التاريخية. وطبعا فهي لا تتغير في ضوء التجربة النظرية (في المعرفة العلمية الطبيعية) في المقام الاول بل في ضوء التجربة العملية (المعرفة العلمية الخلقية) أساسا: ولولا ذلك لما كان للتاريخ البشري معنى ولكان التقدم الخلقي مجرد وهم.
لذلك فالقسم الغائي العضوي والغائي الكوني من نقد ملكة الحكم فعل حقيقي لأنهما لا يتغيران بل إن كل الأعمال البشرية لا تكتسب معناها إلا بفضل ثبات هذين التصورين. فمن دون تصور الإنسان عمل الإرادة ونظر العقل متناسقين وغائيين لعناصرهما وحدة حية ومن دون تصور موضوع العمل ومجاله وموضوع النظر ومجاله متناسقين يستحيل على الإنسان أن ينظر أو أن يعمل فضلا عن أن يسكن العالم ويصنع التاريخ: لأن ذلك هو عينه جوهر الإنسان من حيث هو بالفطرة مستخلف. فالوحي الخاتم يعلمنا أنه لا وجود لمعرفة غير هاتين ولا يمكن للعمل أن يكون عملا مشروعا إلا إذا كان على علم: معرفة الخلق ومعرفة الأمر بوجهي التفاعل معهما فعلا وانفعالا.
وحاصل القول إنه يمكن أن نجمل تحليلنا من منطلق تعديل الحلول الكنطية في منتصف طريق التخلص منها فنقول إن ملكة الحكم هي تفاعل المادة النظرية والعملية والصورة النظرية والعملية تفاعلهما الذي يبرز التفاضل بينهما المتعاكس بحسب المستويين اللذين أشرنا إليهما. ومن ثم فالمفروض أن يوضع القسم الجمالي والجلالي منها في نقد العقل النظري ويوضع القسم العضوي والكوني في نقد العقل العملي. أما غاية التخلص فتكون بأن نجمع الكل في التحرر من الميتافيزيقا التي تقابل بين الصورة والمادة معرفيا وبين الماهية والإنية وجوديا لنبين تداولهما على دور الفاعلية والانفعالية المعرفيتين والوجوديتين إذ إن ما هو فاعل في المستوى الأول يصبح منفعلا في المستوى الثاني والعكس بالعكس: ففضل صورة المعرفة على مادتها في العقل الخالص يعدله فضل المادة على الصورة في القسم الجمالي والجلالي من ملكة الحكم وفضل صورة العمل على المادة في العقل العملي يعدله فضل المادة على الصورة في القسم الغائي العضوي والغائي الكوني في ملكة الحكم فيزول التفاضل بين مقومي العلم ومقومي العمل وبين العلم والعمل وتحصل الوحدة في الحكم الذي يلغي التقابل في حقيقة الوجود ولا يبقي عليه إلا في نسبته إلينا.
فنعود بذلك إلى فصل ابن سينا بين الهوية والإنية بشروطه. فكل الفلسفة الحديثة انبنت على هذا الفصل بعد أن جعلته فصاميا لإلغائها هذه المعاني التي أشرنا إليها المعاني التي تحقق وحدة الوظيفة النظرية والعملية والذوقية للعقل الإنساني عندما لا يغفل عن شرط صحة الفصل بين الصورة والمادة معرفيا والماهية والوجود وجوديا: وهذا الشرط هو عقيدة الموجود الذي تتحد فيه الهوية والإنية أو واجب الوجود بحيث إن القبول بالفصل بينهما علته القول بالدليل الوجودي الدي مفاده أن ماهية الله بمجردها تقتضي وجوده.
وهذا التلاحم بين وجهي النظر ووجهي العمل يجعلان الإمرين لا يقبلان التحديد إلا بالمعنى الاجتهادي والجهادي تواصيا بالحق للأول وتواصيا بالصبر للثاني. فالتعاكس بين بعدي النظر وبعدي العمل عندما نذهب بالتصور السطحي الذي قدمه كنط إلى غايته كما بينا في تحليل العلاقات بين الأبعاد يعيد التلاحم بين الملكات ويوحد مفاعليها فيلغي كل وهم للإيديوجيات النظرية والعملية وما أدت إليه من شموليات. ثم هو يرجعنا إلى الموقف الذي يتقدم فيه حدود التصوير النظري على التصوير الجمالي والجلالي وحدود التصوير العملي على التصوير الغائي العضوي والغائي الكوني فيصبح الجمال والجلال والوحدة الحية والوحدة الكونية كما تتعين في مثل العقل والدين اللذين يشرئب إليهما العقل الإنساني اجتهادا والإرادة الانسانية جهادا لتأصيل الوجود الإنساني في حياة يتكامل فيها البعدان الدنيوي والأخروي فنتحرر من الثنائية المرضية التي أسس لها النقد الكنطي ولم يتمكن الجسر الذي ينسب إلى نقد ملكة الحكم من جسره لبقاء الجرف الهاري بينهما.
تلك هي العلاقات الدقيقة والعميقة التي تتألف منها نظرية "المعرفة-التربية" القرآنية التي يتأسس عليها منهج الفهم والقراءة لكل آيات الوجود نصيها وطبيعيها. وقد غفل عنها الفكر البشري قبل الإسلام ثم عاد إلى الغفلة عنها منذ أن توقف اجتهاد المسلمين وجهادهم لتحقيق شروط الرسالة. ثم تدعم النسيان منذ أن جعل الفكر الحديث تحليلات كنط علما نهائيا فبقي الفكر مترددا بين رد النظر إلى العمل في الفشتية وما تلاها من رومانسية وإيديولوجيات عملية شمولية إلى نهاية القرن المنصرم ورد العمل إلى النظر في الوضعية وما تلاها من علموية وإيديولوجيات نظرية شمولية إلى نفس الغاية. فكانت نخب المسلمين مثلها مثل جل نخب العالم ضحية هذه العودة للفصام المرضي وتأليه النسبي.
ولما كانت هذه الوحدة التي أرجعناها لبعدي النظر وبعدي العمل وأصل الكل هي عينها وحدة فعل الحكم التزاما وجدانيا وفرقانيا في نفس الوقت بات دوران المعرفة والتربية كله حول تكوين هذا الفعل المضاعف من حيث هو إدراك الحق علما (صدق معرفي شرطه التواصي بالحق) وعملا (صدق خلقي شرطه التواصي بالصبر). ومن ثم فإدراك الحق يمكن تقريب معناه بالإشارة إلى معنيي الصدق المقابلين لمعنيي الكذب (أو لمفهومي الحق المقابل لمفهومي الباطل قرآنيا)(5) :
فهو فعل مشروط بالصدق المعرفي لكونه ادراكا يطابق المدرك بحسب معايير المطابقة الصورية لا المضمونية كما تتحدد في العلم الاجتهادي بعد امتناع القول بالعمل المطلق المحيط بالبعد الغيبي من كل معلوم.
وهو فعل مشروط بالصدق الخلقي لاشتراطه التعبير الصادق عن الادراك وليس التعبير الكاذب عن الايهام بغير ما في الوعي المدرك حتى ينطبق معيار التواصي بالحق.
ذلك أن الوصل بين الموضوع والمحمول ليس فعلا قوليا فحسب بل هو فعل وجودي يتجاوز إنفصالهما المفترض في الوصل الحكمي بين التصورين (تصور الموضوع وتصور المحمول) إلى تواصلهما في وحدة القيام الفعلي لتصورات الإدراك في ذهن المدرك (وإلا لما التقيا فترابطا برباط النسبة الحكمية) ولمتعلقاتها في عين المدرَك (وإلا لكان الحكم كاذبا لعدم تصديق علاقة المحكوم به بالمحكوم له إياه ) (6) . فبمجرد الحكم بالمحمول للموضوع يبرز الوجه الثاني من الحكم الحملي وجه الجهة التي تتمثل في اعتبار العلاقة الحملية قائمة في الوجود العيني وليست محرد حكم ذهني: لا اخبر المستمع بما يجري في قولي أو في ذهني بل بما يجري في الوجود فإذا قلت إن زيدا قتل عمروا فليس قصدي أن كلمة زيد في تلفظي قتلت كلمة عمروا فيه أو أن معنى كلمة زيد في ذهني قتل معنى عمرو فيه بل قصدي أن زيدا المشار إليه في الوجود الفعلي هو الذي قتل عمروا فيه. فيكون الحكم كل حكم بصرف النظر عن كونه نظريا فاعلا أو منفلا أو عمليا فاعلا أو منفعلا ذا بعدين:
بعد أفقي يصل بين الموضوع والمحمول بالنسبة الحملية التي تؤلف الماهيات الذهنية (7) .
وبعد عمودي يصل بين القول والمقول فيه بالإثبات الوجودي الذي يحزم بقيام الإنيات الفعلي.
لذلك اعتبرنا الحكم في كتاب شروط نهضة العرب والمسلمين جامعا بين وجهي الدليل الوجودي فضلا عن كون ابن تيمية يعتبر الحكم موجها دائما: أي إن نسبة المحمول إلى الموضوع ليست نسبة قولية أو ذهنية بل هي نسبة وجودية ومن ثم فالحكم يقضي بوجود المحكوم له وباتصافه الفعلي بالمحكوم به. وذلك هو الفرق بين الحكم الخبري والحكم الإنشائي. فالإنشاء بخلاف الخبر يضع جهة حصول الوجود بين قوسين فتكون موضع تمن او ترج أو سؤال او شرط إلخ.... وإذن فصورة الحكم الخبري هي صورة الدليل الوجودي وهي صورة كل وعي من حيث هو حكم نظري أو عملي فاعلان أو منفعلان ومادته هي مادة الدليل الوجودي وهي مضمون كل وعي بهذه المعاني الأربعة وخاصة إذا كان الحكم متكلما عن الذات الحاكمة كما في مثال الكوجتيو الذي استخرجنا منه هذا التحليل فأرجعناه إلى الدليل الوجودي مثبتين بذلك معنى: من عرف نفسه فقد عرف ربه.
وبذلك يصبح كل فعل عقلي بمجرد حصوله الواعي تحققا فعليا للدليل الوجودي إذ هو من حيث هو في مستوى الماهيات لا يقوم إلا بشرط حصول مستوى الإنيات فضلا عن كون ادراك نسبية الوجود الذاتي في كل وعي بالذات (الانسان) الذي ينفصل فيه الإدراك (الماهية) عن المدرَك(الوجود) لإمكان كذب المدرِك لا يكون إلا متلازما مع إدراك الموجود المطلق الذي تتطابق فيه الماهية والوجود لامتناع الكذب عليه(الله): وإذن فجوهر الكذب ماهية بلا وجود ومصدره القدرة على الفصل بينهما في الذهن وهو آفة التعليم آفته التي لا يمكن التحرر منها إلا بشرطين:
1-أن يكون التعليم أقدس وظائف العمران إلى حد يلزم عنه التدخل المباشر من الله: بعث الرسل.
2- ألا يكون المشرفون عليه كنيسة تحول التعليم إلى اداة طغيان على وعي المتعلمين: نفي الكهنوت.

المرحلة الثانية تطابق نظرية التربية الشاملة مع نظرية المعرفة الشاملة وعلاقتها بالطريقة والمنهج:
فالتعليم إذا لم يكن بشروط التربية الشاملة والمعرفة الشاملة يتحول إلى أهم أدوات الطغيان الذي يحرف الكتاب(8) . وقد اعتبر القرآن الكريم النبوة مشروطة بأمرين متقدمين عليها هما الكتاب والحكم يحولان دونها والتحريف الذي يؤدي إلى العلم والعمل المحرفين من خلال تأليه الرسل خاصة ومن يدعي نيابتهم عامة:" ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله بل كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ( وظيفة الكتاب ) وبما كنتم تدرسون ( وظيفة الحكم ).* ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون " ( آل عمران 78-80). ونفي تأليه الوسطاء خاصة و الإنسان عامة لحصر العبودية في عبادة الله وحده ذلك هو الجمع بين الكتاب والحكم في النبوة الصادقة: وذلك هو جوهر التعليم الديني بالكتاب سلطة بذاتها ودون وسيط. وهو ما يقتضي أن يكون الكتاب بذاته متضمنا لكل أبعاد المعرفة والتربية الشاملتين.
وأول شروط صحة هذه النظرية أن يكون الانسان ذا قدرة فعلية على الفهم والقراءة اللتين رأينا أن شرطهما الكتابة رسما للصورة وتسجيلا للصوت لان ذلك هو شرط الكلام عامة ووظيفته الأساسية خاصة: التسمية. وتلك هي العلة في اعتبار الرمز القرآني مد الإنسان بالقدرة على التسمية علة ضرورية وكافية لاستخلافه في الأرض كما ورد في الرد على اعتراض الملائكة. لكن هذه القدرة لا تؤهل الإنسان للتسمية الصادقة فسحب بل هي تفتح له باب القدرتين على التسمية الصادقة والتسمية الكاذبة.
وذلك هو منبع حريته التي تتحدد بخمسة مجالات مفتوحة: 1- أولها بين عنصري المستوى الاول ( بين الصدق المعرفي والصدق الخلقي ) 2- وثانيها بين عنصري المستوى الثاني ( تحقق الحقيقة في ذات المدرك وتحقيقه إياها في الوجود العيني) 3- وثالثها بين المستويين ويصل هذا المستوى الثالث بالمستويين الأولين 4 و 5- هامشا الأداء الناتج عن أثر المجال الأول في المجال الثاني واثر المجال الثاني في المجال الأول فتصبح هوامش حرية الإنسان ذات فروع خمسة هي هوامش المسافة التي يقطعها التنافس على القيم ومجالات التشريع وضعيا كان أو منزلا: التقويم الذوقي والتقويم الرزقي والتقويم النظري والتقويم العملي والتقويم الوجودي.
ولما كان كلا المستويين المضاعفين قابلا للخلط مع اليقين العفوي الغفل الناتج عن الهوى المتحكم في التنافس على القيم يصبح بادئ الرأي والعقد الغفل الإنفعاليان وسوء النية والخبث القصديان متحكمة أربعتها في التعامل بين البشر فلا يتجاوز الإنسان المعنى النفسي من إدراك الحقيقة. لذلك حدد القرآن مقومات التربية الشاملة التي تخرج البشرية من هذه الوضعية باستعمال أداتين عاصمتين قدر المستطاع من الخطأ في الاجتهاد النظري والجهاد العلمي: التواصي بالحق والتواصي بالصبر المخرجين من الخسر أو من الغفلة والموصلين إلى ما يتعالى على المستوى النفسي الفردي إلى المستوى المنطقي الجمعي.
وحتى نوضح هذا المعنى سنكتفي بشرح سريع فلسفي لدلالات الآيات السبع الأخيرة من سورة الإسراء بدءا من الآية 105. والمقصود بالشرح الفلسفي ليس فرض مضمون فلسفي على معنى النص فنرغمه عليه لنقول هذا باطن النص وراء ظاهره. بل هو الفهم المتناسق لمعاني الآيات في ضوء كامل المقدمات التي سبق شرحها في هذه المحاولة وخاصة ما بينا في نظرية المعرفة الشاملة.
ولنبدأ بالآيتين: 105-106 "وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا * وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس وعلى مكث ونزلناه تنزيلا". فلا يمكن أن يكون قصد الآية الأولى أن الله يؤكد التطابق بين ما أنزل وما نزل. فلا أحد يتطرق إليه الشك في قدرة الله على تحقيق المطابقة بين فعله ومفعول فعله. كما لا يمكن أن يكون القصد المطابقة بين الخبر عن صفة الإنزال وصفة النازل لنفس العلة فضلا عن امتناع تكذيب المخبر في هذه الحالة.
لم يبق إلا معنى واحد هو ما تؤيده الآية الثانية: وهو أن "بالحق" الأولى تصف طريقة الأنزال و"بالحق" الثانية تصف مضمون النازل. ومعنى ذلك أن الله لا يخصص مفهوم الحق (بمعنييه المعرفي للنظر والعقيدة والخلقي للعمل والشريعة) لوصف مضمون الرسالة بل هو يصف به طريقتها في التبليغ. لذلك جاءت الآية الثانية لتصف هذه الطريقة بتعليل التفريق بضرورات التعليم: 1- لتقرأه على الناس 2- و(لتقرأه) على مكث. أما ونزلناه تنزيلا فهي معطوفه على فرقناه فيكون تعليلها عين تعليل التفريق: لتقرأه على الناس و( لتقرأه) على مكث. والقراءة على مكث تكون منطقيا في أحوال ثلاثة منفصلة ومجتمعة بحسب ظرف النزول: فهي متقدمة على قراءته على الناس ومصاحبة لها وتاليه مع جمع المعنيين: المعنى التفريقي والمعنى التجميعي لأن كلمة القرآن تعني الجمع والقران أيضا ومن ثم فالقراءة تحليل ( تفريق) وتأليف (قران) وهي لها الدلالة التي يعبر عنها الرديف الوارد في الآية: "التنزيل". فالتنزيل على النوازل تفريقا وتجميعا للقرائن النصية والعينية يثبت أن المعطوف في الآية لا يمكن ألا يضيف شيئا إلى المعنى !
فلا يمكن أن يكون القصد من التنزيل الإنزال بمعنى نزول القرآن من السماء إلى الأرض بل القصد هو تنزيل النص على النوازل أي إن كل نص من نصوص القرآن كان حدثا نصيا ملازما لحدث تاريخي ملازمة احد أعيان "ماصدق" المعنى القرآني لمفهومه: وذلكما هما وجها المعنى الذي يكون حقيقة ذهنية في العلم وحقيقة عينية في المشار إليه في الخارج إذا نسب المعنى إلى الانسان. لكنه يكون عند نسبته إلى الله حقيقة مطلقة لا ينفصل المفهوم منها عن الماصق وهو ما اقتضى التفريق والتنزيل المشار إليهما في الإيتين. وقد فهم منه أغلب الناس ما يسمى بسبب النزول مضمرين علته عند "مؤرخني" النص من العلمانيين حصرا لكلية النص في عينية السبب. أما القصد فهو مناسبته أو النازلة التي هي عين من تحقق معناه الذي يقبل ما لا يتناهي من التحققات لأن الأمر يتعلق بما يشبه الجدل النازل من الكلي إلى المشار إليه من أعيانه.
وفهم التنزيل بهذا المعنى يعيدنا إلى فهم التفريق. فليس هو التنجيم فحسب بل هو كذلك التمييز بين المعاني. فيكون التنجيم في النص ليس مجرد تقسيم تحكمي بل هو معبر عن تحليل للمعنى بالفرقان الذي يميز بين المعاني بحسب منطق نظرية المعرفة الشاملة ونظرية التربية الشاملة. ومن ثم فلنا أربع مستويات فرعية اثنان من التفريق واثنان من التنزيل وأصل لها جميعا لكونه شرط حصولها على أفضل الوجوه فضلا عن كونه مصدر وجودها: 1- التفريق اللفظي أو تنجيم النص 2- والتفريق المعنوي أو التحليل العلمي والعملي لمضمون الرسالة المشروط في التنجيم التنزيلي 3- والتنزيل المعين للمعنى المقروء في النوازل الحادثة في التاريخ الفعلي 4- والتنزيل المعين للناس المقروء عليهم في الخطاب الدعوي 5- والمكث فيها جميعا لكونه أصلها متقدما عليها ومصاحبا لها وتاليا بوصفه عين التفكر والتدبر الرسوليين علما وعملا لقرآن الكل بمعنى لتأليفه في وحدة حية وهو المعنى الاشمل لكلمة قرآن بمعنى تحقيق القران بين الآيات التي هي قرائن دالة على النسق الواحد وراء تشضي الوجود..
وهذا المكث هو الحيز الزماني الضروري لفعلي التواصي بالحق والتواصي بالصبر ومن ثم فهو شرط المعرفة والتربية الشاملتين. لذلك فالآيات الثلاث الموالية تبدأ بنصيحة النبي حول الموقف المعبر عن الصبر إلى حد يشبه عدم المبالاة بنتيجة الدعوة والاكتفاء بالمقابلة بين موقف المدعوين استجابوا أو لم يستجيبوا وموقف من لهم علم قبل نزول القرآن عند سماعه المقابلة التي تتواصل في الآيات الثلاث. ويمكن القول عرضا إن هذه الآية تبين أن المسلمين ليسوا محصورين بعد نزول الرسالة المحمدية في المسلمين بالمعنى الرسمي بل كل من تحركه معاني القرآن بالصورة الموصوفة في هذه الآيات مسلم.
ويتلو ذلك تحديد أسلوب الدعوة بالعبادة غير المنفرة. فالدعوة المعتمدة على التربية الشاملة تترك الخيار للمدعو بين عدة تصورات للذات الإلهية بحسب الصفات التي يمكن أن يسميه بها وهي كل الأسماء الحسنى التي هي عين تصورات العلاقة بين المؤمن وربه. والعبادة غير المنفرة رمز إليها بالتوسط في طبقة الكلام الصوتية. وقياسا عليها يمكن تحديد آداب الدعوة لتخليصها من المنفرات وأهمها اليوم المظهر المادي ما عاد منه إلى الطبيعة (كجمال المنظر وعذوبة الصوت) أو إلى الثقافة (هيأة الزي ونظافته والزينة المأذون بها) للداعية فضلا عن المسلك الخلقي وآداب المعاشرة ومساعدة المدعويين.
ولو نظرنا في الأسماء الحسنى لوجدناها ترد إلى الصفات الذاتية الخمس التي تناسب منظومة القيم فيكون الخيار في النداء والدعاء تبشيرا بحرية السبل إلى الله وتعددها وهو ما يحدد معنى الآية 256 من البقرة المبشرة بالحرية الدينية وعلة كونها ولت آية الكرسي مباشرة. فآية الكرسي حددت ذات الله وصفاته الذاتية الخمس في علاقتها بما تمد به الإنسان: فهي إما أسماء لوجوده (ومنها قيم الوجود) أو لحياتة (ومها قيم الذوق) أو لقدرته (ومنها قيم الرزق) أو لعلمه (ومنها قيم النظر) أو لإرادته (ومنها قيم العمل) وكلها سبل تؤدي ضرورة إلى الإسلام بمعنى الاعتراف بالعبودية لصاحب المدد بما يضفي على هذه القيم من القيام والقيمة استمدادا لوجود الذات البشرية وحياتها وقدرتها وعلمها وإرادتها من صفات الله بفضل النفخة التي حولت الصلصال إنسانا..
ثم تأتي غاية التربية الشاملة ببعديها النقدي والايجابي في نفيين ونتيجة مسبوقة ثلاثتها بالحمد ومشفوعه بالتكبير: نفي مبدأ تحريف الأديان المنزلة (ابن الله سواء كان عيسى أو عزرا وهي أصل عقيدة شعب الله المختار الخرقاء) ونفي مبدأ الأديان الطبيعية ( الشريك سواء كان واحدا في المجوسية أو كثيرا في كل الأديان الطبيعية الأخرى) وإطلاق السلطان الإلهي ( ليس له ولي من الذل(9) ). فأما الحمد فهو رمز ما في الإسلام من تسليم بإرادة الخالق. وأما التكبير فهو رمز الحرية المطلقة أو العبودية لله وحده ومقتضاها الاجتهاد في العلم والجهاد في العمل. لذلك اعتبرنا الآية غاية العلاج لأنها تنتهي بتعريف بعدي الإسلام السالب والموجب:
1- فسلبا هو نقد بمعيار التصديق والهيمنة للأديان المحرفة منزلة كانت او طبيعية والتي ما تزال عندئذ موجودة في الجزيرة العربية: المسيحية واليهودية والمجوسية وكل الوثنيات.
2- وإيجابا هو إيجاب العلم والعمل بمعيار الحمد رمزا للتسليم للإرادة الإلهية ( لان الحمد يكون على الخير والشر ) والتكبير الذي يعني نفي ما هو أكبر من الله ومن ثم العبودية له وحده أو الحرية المطلقة التي لا تتحقق إلا بالتربية الشاملة أو بالاجتهاد العلمي والجهاد العملي.
لم نختر سورة الإسراء لتحليل نظرية التربية الشاملة بالصدفة. فهي السورة التي تضمنت كل المعاني التي عالجناها في هذه المحاولة لكأن كل ما حصل في تاريخ الفكر البشري لتحديد مناهج الفهم والقراءة بالمعنى الذي استخرجناه من تاريخ الفكر ومن القرآن تمثل مضامين السورة فضلا عن كونها حددت صفتي القرآن من حيث هو نقد وتفكيك للتجارب الدينية السابقة بمنهج الفهم والقراءة لنصوصها التي طبق عليها غربال التصديق والهيمنة فضلا عن الدليلين المشيرين إلى الحقائق التاريخية لدور الأمة الأسمى شهادة على العالمين بالرسالة الخاتمة والدليلين المشيرين إلى اعتماد الرسالة المحمدية على إعجاز الاجتهاد والجهاد بعلم العادات والعمل بها لا على إعجاز خرق العادات:
فأما دليلا الحقائق التاريخية فهما:
1- الدليل الأول هو علاقة منزلة الإنسان المستخلف وكلية الرسالة الخاتمة.
2- الدليل الثاني الكرة الثانية في حسم الصراع الجاري حاليا مع اليهودية في صيغتها الصهيونية.
وأما دليلا اعتماد الرسالة على الجهاد والاجتهاد فهما:
3- تنبيه النبي إلى ما يمكن أن يقع فيه من خطأ التحريف لعدم العمل بقاعدة التواصي بالحق والتواصي بالصبر. وهو أمر كاد يوقعه فيه أعداؤه: وهذا الإغراء قانون كلي لم يشذ عنه نبي. وهو نفسه الإغراء الذي تتعرض له أمته اليوم من أعدائها إذ يزينون لها شبها من القيم حتى تتحرف عن أسمى القيم التي هي جوهر البيان القرآني.
4- ونفي المعجزات الخارقة للعادات بحجة حاسمة هي بشرية النبي فضلا عن عدم نفع الخوارق في الإقناع بالدعوة. كما أن ذريعة التخويف لا ينبغي أن تكون من أدوات الدعوة الخاتمة لاعتمادها على تبيين الرشد من الغي بأدوات البيان العقلاني والوجداني.
5-والحجة الجامعة لكل هذه الأدلة هي ما استخرجناه من الآيات السبع الأخيرة من السورة والتي تتضمن كل هذه المعاني فروعا منها. وذلك ما كان علينا بيانه والله أعلم وهو ولي التوفيق.
كما أننا لم نختر ابن تيمية وابن خلدون ممثلين للتفسير القرآني التام بمحض الصدفة. فالتزامهما المذهبي رغم تشدده لم يمنعمهما من طلب الحقيقة التي يدعونا القرآن لطلبها من موردها الفعلي قصدت من الموجودات وليس من تحليل النصوص التي تسدد المنظور ولا تمدنا بمادة العلم أو بقوانين الأشياء. لذلك كان عملهما المدخل الحقيقي إلى النقد الجذري الذي يمكن ان ينطبق عليهما هما نفسيهما والبداية الفعلية للمعرفة العلمية النظرية والعملية في تاريخنا الفكري .
فالأول أعاد النظر في الميتافيزيقا والمنطق بصورة فلسفية ذات منظور قرآني لا يناقش فيها من يعلم مقتضيات هذا الوصف رغم دافعه العقدي الذي قد يخفي مضمون عمله النقدي الثوري خاصة بعد أن استحوذت على فكره حركات الغلو الأصلاني التي تعادي الفكر الفلسفي لذاته.
والثاني أعاد النظر في ما بعد التاريخ والتاريخ بصورة فلسفية ذات منظور قرآني لا يمكن أن يناقش فيها إلا جاهل بمقتضيات الوصف فضلا عن العلم بأعمال ابن خلدون خاصة بعد أن استحوذت على فكره حركات الغلو العلماني التي تعادي الفكر الديني لذاته.
وطبعا فإعادة النظر بحد ذاتها وقبل الكلام في الحلول التي قدماها تأسيس لمجال مفتوح لا يمكن لأي منهما أن يفرض عليه مضمونا معينا: كلاهما حقق ثورة شكلية مضمونها لا يقبل التحديد المسبق والنهائي لأن شكل المعرفة وعاء صوري يقبل أي مضمون في مجال النظريات عند الأول وفي مجال العمليات عند الثاني. فعندما تدحض المنطق والميتافيزيقا الأرسطيين وترفض المقابلة بين العقل والنقل بمعايير متقدمة عليهما معا هي معايير منهجية صورية خالصة (مابه نصل إلى صحيح المنقول وإلى صريح المعقول ينبغي أن يكون متقدما على المنقول والمعقول المضمونيين) وعندما تدحض التاريخ وما بعد التاريخ الأفلاطونيين وترفض المقابلة بين الوجود (ما هو كائن) والشرع (ما ينبغي أن يكون) بمعايير متقدمة عليهما معا هي معايير منهجية صورية خالصة (ما به نصل إلى صحيح الحاصل وصريح الواجب ينبغي أن يكون متقدما على الحاصل والواجب المضمونيين) حتى وإن فعلت ذلك بدافع الدفاع عن مذهبك فإنك لا تستطيع أن تجعل مذهبك بديلا من شكل المنطق والميتافزيقا ومن شكل التاريخ وما بعد التاريخ الجديدين بمنظور تحديدهما الجديد بل تفتح بابا يصعب سده.
فقد بات من واجب الفكر أن يعيد بناء المنطق وما بعد المنطق والتاريخ وما بعد التاريخ بناء لا نهاية لمراجعته ما دام من طبيعة شكلية لا مضمونية وهدفه علم مناهج فهم الوجود والمعرفة في النظريات وعلم مناهج فهم القيمة والعمل في العمليات. وقياسا على ذلك حصل نفس الأمر بالنسبة إلى أصول العقيدة (بدلا من الكلام: ابن تيمية خاصة) وأصول الشريعة (بدلا من أصول الفقه: ابن خلدون خاصة) اللذين بات بوسع الفكر الإسلامي أن يعيدهما إلى جوهرهما المفتوح:
1- الفلسفة النظرية ببعديها المنطقي والإلهي في مجال الخلق وما يترتب على ذلك في علم مخلوقاته
2-والفلسفة العملية ببعديها التاريخي والإلهي في مجال الأمر وما يترتب على ذلك في عمل
مشروعاته.
وهما مجالان مفتوحان إلى لا نهاية. ولست أعني كذلك أن ابن تيمية وابن خلدون كانا واعيين بكل أبعاد ثورتهما إذ لو كان ذلك كذلك لتحققت نهضة المسلمين منذئذ ولكان لا معنى لتواصل جهد الأجيال المتوالية لاستنباط الضمائر من خلف الستائر التي أسدلها متردم الفكر الغابر سواء كان فكر الجدود أو الفكر المستورد من وراء الحدود. فما هو حي ومبدع واحد في كل العصور والدهور ولا يختلف من حضارة إلى حضارة إلا بما لا دخل له في معاني العمارة. إنه ما حاول مفكرانا النفاذ إليه بكل ما أوتيا من قوة سواء كان المنطلق تقدم النظر والعقيدة أو كان تقدم العمل والشريعة. فالمهم في الحالتين هو النقد الجذري الموصل إلى حي السؤال الساعي إلى حي المآل والمحرر من متردم الآثار سواء كان من أصيل الأخيار أو من هجين الأشرار. لكأن ابن تيمية وابن خلدون ليسا من سلسة المراحل التي مر بها فكرنا إذ نحن ما نزال متخلفين عليهما ليس في المضامين فحسب ولا في المواقف فقط بل وحتى في فهم دور الفكر ومنهج العلاج رغم كوننا نأتي بعدهما بستة قرون !
لكن مشكل المشاكل هو أن مفكري اليوم وفقهاءه من الأصلانيين نزلوا إلى ما دون هذين الموقفين إلى حد لا يكاد يصدق دفنا للعقول في ميت الحلول التي تؤدي حتما إلى الأفول: مثلهم مثل من ينبني سدودا دون مَنافس فيؤول أمر الأمة إلى النفي الدائم إلى أن يجرفها التيار فتتداوس في كوني التعافس.
فلا هم تمكنوا من تجاوز مبتذلات منطق النظر الأرسطي (مثل الكلام على العلم البرهاني عند أصحاب المشروعات الفكرية المزعومة نقدية!) ولا مبتذلات منطق العمل الأفلاطوني (مثل الكلام على التمني اللاتاريخي عند أصحاب المشروعات الفقهية المزعومة إصلاحية !) كما حطت منهما رسائل إخوان الصفاء وعممها تلاميذها الجدد من الفكر الماركسي والوضعي العربيين. ومثلهم مفكرو اليوم وقانونيوه من العلمانيين. فهم لم يتجاوزوا الفهم السطحي لقشور الحضارة الغربية التي حصروها في بعض الثمرات الدنيوية ونسوا أنها لا تستمد حيوتها إلا مما تقوم به كل حضارة مبدعة: السؤال الجذري المتعالي على ما في الوجود من القشور وما في الدنيا من البثور.


الإحالات والتعليقات:
(1)ويمكن أن نضيف إلى ذلك في مستوى معاناة هذا الفكر معاناة تجربة وجدانية شخصية الفكر الصوفي عامة و الفكر الوجودي خاصة. ويتقابل هذا الفكران بضربيهما تقابل الفكر الديني والفكر الفلسفي لتناسب الأولين مع الثانيين تناسبا تترجم عنه المعاناة الوجدانية إلى حد الهوس ما يجعل الفكرين الديني والفلسفي يصبحان أحيانا عند بعض الافراد مرهفي الحس مصدرا لما يمكن أن يعد مرضا نفسيا يسمى معاناة آلامPathos التجربة الصوفية وآلام التجربة الوجودية وغالبا ما يكون ذلك ذا صلة بمخزون ابداعي رمزي: المؤمن منهما أو ذي القطبين (تصوف وحدة الشهود والوجودية المؤمنة) والملحد أو ذي القطب الواحد (تصوف وحدة الوجود والوجودية الملحدة): وتلك هي ضروب الفكر الوجودي والصوفي المؤمن منهما والملحد.
(2)وفضل هاتين المؤسستين هو ارجاع الشرعية القيمية إلى أهلها قصدت الامة بعد ان تكون قد تخلصت من الطاغوتين اللذين استحوذا على سطلتيها التشريعية والتربيوية (العلماء) وعلى سلطتيها التنفيذية والقضائية(الأمراء). فإذا رجعت الشرعية القيمية إلى أصحابها بات الطغيان مستحيلا. ولطالما كنت أعجب من نفاذ قرار أمير المؤمنين الفاروق في أكبر قادة جيش الفتح في الشام. ما الذي حال دون خالد والانقلاب العسكري الذي أصبح فيما بعد من خبز المسلمين اليومي؟ يكفي ان تقارن ذلك بما يحدث في اي بلد من بلاد الغرب الديموقراطية اليوم. هل يمكن أن يدور بخلد قائد عسكري مهما كانت منزلته أن يعصي أمر صاحب السلطة الشرعية في بلده ؟ فما العلة يا ترى؟ في كلتا الحالتين ليس الحائل أخلاق القائد العسكري أو قوة القائد السياسي المادية بل القوة الرمزية التي تمثلها الشرعية ذات القيام الفعلي في الامة: فلو حاول خالد أن يرفض الامر فإنه كان سيكون وحيدا في العصيان. وهو يعلم ذلك فضلا عن كونه هو نفسه يؤمن بالشرعية فلا يقبل أن يعصيها أحد. ذلك هو الأمر الذي قضى الطاغوتان على أصله: وعي الامة التي هي جماعة وليست عامة بقدسية الشرعية وقيامها في ضمائرهم وامتناع المساس بها.
(3)علة لجوئنا إلى هذا المثال يقتضيها الموضوع المدروس نفسه. فلا يمكن أن نتكلم في نظرية المعرفة كلاما مقبولا من المنظور الاسلامي ومن الحال التي عليها الفلسفة في الوقت الراهن من دون التخلص من التقاليد التي أرساها كنط وآلت إلى الردين المهدمين للبشرية قصدت حط العمل إلى النظر في الوضعية النظرية أو العلموية التي تطبعن كل شيء ورفع النظر إلى العمل في الوضعية العملية التي تأرخن كل شيء. ونحن نستعمل الحط والرفع بالمعنى الناتج عن المقابلة الكنطية بين النظر الذي لا يعلم الا الظواهر والعمل الذي يتعلق بالبواطن. لكن المنظور الاسلامي لا يعتمد هذه المقابلة وهو لا يرى العمل قابلا لأن يكون ذا معنى وقادرا على البلوغ إلى الحقيقة إذا لم يكن بهدي من العلم. فإذا اقتصر النظر على المظاهر فإن العمل لن يكون إلا مثله أو دونه. فهما عندنا كلاهما اجتهادي وجهادي: فهو اجتهادي بمعنى أن المرء يبذل الوسع ليعلم ما هو ميسر له (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) وليعمل ما هو قادر عليه. والفعل يكون في الحالين مجاهدا مجاهدة وجهادا. لكن داعيا آخر كان منطلق الحل المناسب الذي تمكنا من الوصول اليه قصدت فقه اللغة العربية الذي جعل الفكر الاسلامي يسمي القيم الخلقية باسمي الحسن والقبح فيبين الصلة الوثيقة بين القيم الخلقية والقيم الذوقية ليوحي لنا بالحل البديع الذي تضمنته الرسالة الخاتمة وكان مهملا بسبب موت السؤال الفلسفي في فكرنا.
(4)ولا يمكن للمرء ألا يعجب من رفض التجاوز الميتافيزيقي لفعل العقل في النظر وقبوله في فعله في العمل. النظر الميتافيزيقي هنا يزعمه صاحبه علما وهو هناك عقيدة. والتناقض بين الرفض الاول والقبول الثاني هو أصل المتافيزيقيات الشمولية رومانسية كانت أو وضعية وما أدت إليه من أديولوجيات تأليه الانسان العلمي أو العملي أو بوصفه كليهما.
(5)ولنقل لتقريب معناه إلى حقيقتها أنه مشروط كذلك بشرطين آخرين أعمق هما ما يترتب على التواصي بالصبر: فالصدق بمعنيين لا يصبح حقيقة حقا إلا إذا تحقق في صاحبه وحققه صاحبه في الوجود الفعلي. وبذلك تكون الحقيقة عين الحق الذي ينافي الباطل بكل وجوهه أقصد وجهي الكذب المعرفي أو الغش ووجهي الكذب العملي أو النفاق.
(6)انظر تحليلنا لنقد الشعر من منظور القرآن الكريم في مقال عولمة النجومية وفصام النخب الصادر بموقع الملتقى وبموقع الوحدة الإسلامية.
(7)والحكم بالربط الحملي لا يختلف في تؤلفه من هذين البعدين عن الأحكام الاخرى سواء كانت ربطا بين القضايا في حساب القضايا أو حساب المحمولات والعلاقات. فهي جميعا تشترك في البعدين هذين: 1- بعد الربط الأفقي بين مكونات التصور العنصري أو علاقات التصورات (=الماهية أو الحكم) 2- وبعد الربط العمودي بين تلك المربوطات وما يتصور في الوجود مقولا بها سواء كان عناصر بسيطة أو حال وقائع موضوعا للقضية بالمعنى المنطقي للكلمة ( ولا وجود لربط أفقي في مستوى الوجود لان الموجود ليس مؤلفا بل قيامه الحقيقي مشروط بعدم تألفه من موضوع ومحمول أو من مكونات حال الوقائع ). وتلازم البعدين يعني أن البعد الثاني ينفي ما يقوله البعد الأول سواء صدق أو كذب: فإذا صدق كان ذلك دليلا على أن المحكوم به جزءا لا يتجزأ من المحكوم له لا يقبل الفصل عنه إلا في الذهن فيكون التأليف ذهنيا لا وجوديا وإذا كذب كان له نفس الذلالة لانه يعني أن الأمر كله في الذهن ليس الفصل وحده بل وكذلك النسبة.
(8)بمقتضى التحريف الذي علته الأساسية هي بيع الآخرة بالدنيا:" إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أؤلئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم لله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذات أليم* وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتسحبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله و ما هو عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون"( آل عمران 77-78)
(9)ونسبة الولي إلى "من الذل" توحي بالعلاقة مع "اخفض لهما جناح الذل" فيكون المقصود نفي الحدوث واثبات القدم بنفي المولودية أي أن الله لا ينفى عنه أن يكون قد ولد بفتح الواو فحسب بل وكذلك أن يكون قد ولد بضم الواو كما في الاخلاص.

mercredi 23 mars 2011

من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث


من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث... النشأة المستأنفة

تأليف: جورج طرابيشي

من خلال توظيف المفهوم الخلدوني عن النشأة المستأنفة، بما تنطوي عليه من معنى القطيعة والاستمرارية في آن معاً، يسلط هذا الكتاب ضوءاً باهراً على عملية إعادة تأسيس الإسلام القرآني في إسلام حديثي، وذلك طرداً مع التحول الموازي من إسلام الرسالة إلى إسلام التاريخ ، ومن إسلام " أم القرى " إلى إسلام الفتوحات.

فعلى حين أن إسلام الصدر الأول قد ركّز كل مجهوده " الإبستمولوجي" على تثبيت الخطاب القرآني في نص مؤسس أول، فإن الإسلام القرون التالية قد صرف كل جهده بالمقابل إلى تثبيت السنة، أي الحديث المنسوب إلى الرسول، في نص مؤسس ثانٍ من خلال المقولة الشهيرة التي ما فتئ يرددها بصوت واحد الإمام الأوزاعي في القرن الثاني والإمام الشاطبي في القرن الثامن من أن السنة جاءت قاضية على الكتاب ولم يجئ الكتاب قاضياً على السنة.

والخطورة في هذه النقلة في المرجعية في الإسلام من القرآن إلى الحديث تتمثل أولاً في ما تمخضت عنه من انقلاب خطير من المنظور التشريعي: ففي القرآن لم يكن هناك من مشرِّع سوى الله وحده ولم يكن من نصاب للرسول سوى أنه مشرَّع له . ولكن مع الحديث لم يحوَّل الرسول إلى مشرِّع فحسب، بل إن أولئك الذين أباحوا لأنفسهم أن يضعوا الحديث على لسانه قد نصّبوا أنفسهم في الواقع مشرِّعين له كما لله. ثم إن عدد الأحكام الملزمة للمكلّف في القرآن محدود للغاية ؛ أما المدوّنة الحديثية، التي حكمها قانون التضخّم المتسارع، فتتضمن آلافاً وآلافاً من الأحكام . وعلى هذا النحو يكون المكلّف في الإسلام قد تحوّل إلى ما يشبه الإنسان الآلي الذي لا يتحرك في كل نأمة من نأماته إلا بالنصوص التي تتحكم بكل ما جلّ ودقّ من شؤون حياته العامة والخاصة. وبما أن الفرضية اللاهوتية التي انتصرت في الإسلام هي فرضية الشافعي القائلة إن الرسول لاينطق إلا عن وحي حتى عندما لا ينطق بالقرآن، فقد أُنزلت الأحاديث التي وُضعت على لسان الرسول بعد وفاته منزلة الوحي الموحى، وتواضع أهل الحديث والفقه على اعتبار السنة، كالقرآن، تشريعاً إلهياً متعالياً. وككل ما هو إلهي ومتعالٍ، أو مفترض فيه أنه كذلك، انعتقت السنة وأحكامها من شروط المكان والزمان، وصارت ملزِمة للمكلّف - كما يقول ابن حزم- "إلى يوم القيامة" : فلا يتغير فيها، ولا يجوز أن يتغير فيها شيء مهما تغيرت الأحوال والوقائع وشروط التاريخ . وهذا ما حكم على العقل العربي الإسلامي ابتداء من القرن الخامس الهجري بالانكفاء على نفسه وبالمراوحة في مكانه في تكرار لا نهاية له ؛ وهذا أيضاً ما سدّ عليه الطريق إلى اكتشاف مفهوم التطور وجدلية التقدم وما يستتبعانه من تغيّر في الأحكام الوضعية ذات المصدر البشري لا الإلهي ؛ وهذا ما أسّسه أخيراً في ممانعة للحداثة تنذر في يومنا هذا بالتحوّل إلى ردّة نحو قرون
وسطى جديدة.


اضغط هنا للتحميل

samedi 12 mars 2011

في تهافت التطبيق العملي للماركسية


تتكون الماركسية من مكونات أساسية مترابطة بين بعضها ارتباطاً عضوياً، هي المادية الجدلية، والمادية التاريخية، والاقتصاد السياسي، والشيوعية العلمية. وقد فسرت الماركسية التاريخ الإنساني على أسس اقتصادية، مستمدة من المادية الجدلية، فلا يرتبط تطور المجتمعفي مراحله المختلفة بصورة آلية عفوية، ولا بقوى غيبية تعلو على واقع البشر. والانتقال من تشكيلة اجتماعية اقتصادية إلى أخرى يأتي نتيجة حتمية للصراع الطبقي في المجتمعالواحد، ونتيجة لمجموعة واسعة من العوامل الداخلية والخارجية المتنوعة، المرتبطة بوعي الناس ومستويات إدراكهم للقوانين الناظمة لحياتهم، ولمجمل الظروف الخارجية المحيطة بهم في علاقاتهم مع الآخرين . [1]

دخلت الماركسية حيز التطبيق منذ الثورة البلشفية التي انهارت على اثرها روسيا القيصرية و تم بعث ما عرف بالإتحاد السوفياتي بزعامة " فلاديمير لينين " الذي ترك بصمة في النظرية الشيوعية و أسس لمذهب سياسي يحتوي قراءته الخاصة لماركس أو ما يعرف بالماركسية_اللينينية .

نتبين أن الفلسفة الثورية قد اتجهت بالتحديد إلى مخاطبة الطبقات المسحوقة واتخذت نفسا ثوريا. ليست كل فلسفة يمكن أن تكون ثورية وإنما حسب بول نيزان المادية الجدلية وحدها التي يمكن أن تكون ثورية ولأن من أنتجوها كانوا ملتزمين بقضايا المغضوب عليهم في التاريخ ونقصد ما يسمى في المعجم السوسيولوجي الكلاسيكي: الرعاع، العامة، الدهماء، السواد الأعظم أو ما يُسمى في المعجم الماركسي: البروليتاريا . [2]

أمست القسوة عنوانا للحكم الماركسي , فمارس حكامهم بروح تقنية عالية , لاهوت إذلال الكائن البشري , اعتقالا و تعذيبا و غسلا للدماغ , و قتلا و ابادة جماعية على نحو تبدو معه تقاليد القرون الوسطى في هذا المجال بدائية و ساذجة . [3]

و السؤال الذي يطرح نفسه هنا : لماذا كل هذه القسوة ؟

للإجابة عن هذا السؤال , دعنا نبحث عن فاعلية الفلاسفة في التغيير العملي و نصرة الإنسانية المعذبة . حسب الفارابي يوجد ما يسمى ب"الفيلسوف البهرج " أي فيلسوف البرج العادجي , أو وفق ما يحلو لبول نيزان * تسميتهم بكلاب الحراسة أو بعبارة سارتر المثقف المزيف . يدحض بول نيزان مقولة وجود فلسفة في المطلق ويرى، على العكس أنه يوجد صنفان من الفلسفة:

أ- فلسفة تقدمية تعمل على تغيير العالم، أي القيام بالثورة والإطاحة بالبرجوازية، مالكة وسائل الإنتاج والسلطة.

ب- فلسفة رجعية بامتياز تكدح على مستوى النظرية للحفاظ على نظام الأشياء القائم (القيم الأخلاقية، الزواج، الدولة، توزيع الثروة والملكية...)

ووفقا لهذه المقاربة لا يمكن أن نبحث عن تعريف واحد، عن وظيفة واحدة وعن دور واحد للفلسفة أو الفلاسفة، إذ كما يقول غرامشي في "دفاتر السجن": « لا وجود لفلسفة في المطلق ».
[4]

لكن ان أردنا تفعيل هذه المقولة على الماركسية لوجدنا أنها نظرية طوباوية , و وظيفة المثقفين و الأنبياء على حد السواء هي انتاج اليوطوبيا , و لكن هذه اليوطوبيا يجب أن تبقى يوطوبيا , و الخطيئة الأصلية و المميتة لليوطوبيا الماركسية أنها أردات نفسها من الأساس واقعا , بل ميزت نفسها عن كل يوطوبيا أخرى بافتراضها نفسها واقعية و علمية , و دمغت بازدراء سائر اليوطوبيات المتقدمة عليها بأن قدرها أن تبقى طوباوية . و الحال أن اليوطوبيا سواء كانت جمهورية أفلاطون أو مدينة الفارابي الفاضلة ماكانت لتكون في الممارسة أقل قسوة و عنفا من اليوطوبيا الماركسية لو قيض لها أن تشق طريقها الى حيز التطبيق العملي . لذلك فإن الشر الذي يتمخض عن تطبيقها بصورة حتمية هو أشر من أي شر يراد حذفه من الوجود .

فليس أجمل و ليس أكثر مثالية من اليوطوبيا مادامت يوطوبيا , لكن هذا الكائن الخيالي النبيل سيتكشف , في حال خروجه من معمل الخيال الى مختبر الحياة و الواقع , أنه صنو لمخلوق فرنكشتاين .

لا يملك أحد أن يماري أن النظام الرأسمالي قد عرف و مازال يعرف أزمات دورية و غير دورية . لكن ما وقفت الماركسية عاجزة عن فهمه هو أن الأزمة آلية أساسية من آليات اشتغال النظام الرأسمالي , و أنها له بمثابة العتلة أو المقفز الذي يفيده في التراجع خطوتين الى الوراء للقفز ثلاثا الى الأمام . و ليس هذا مديحا للنظام الرأسمالي بقدر ما هو تحذير من النبوءات الكاذبة التي لازالت تظل سوقها رائجة حتى ما بعد سقوط الماركسية . [5]

و فيما يلي الحصيلة التقريبية لضحايا التطبيق العملي المتهافت للشيوعية و تاريخها الدموي :

20 مليون في الاتحاد السوفيتي المنهار
65
مليون في الصين
مليون في فيتنام
مليونان في كرويا الشمالية
مليونان في كومبوديا
مليون في الدول الشيوعية في شرق اوروبا
150 الف في امريكا اللاتينية
1.7 مليون في افريقيا
1.5 مليون في افغانستان
10 الاف بسبب الحركة الشيوعية الدولية والاحزاب الشيوعية التي لم تصل الى السلطة. [6]

المراجع :

1 _ الموسوعة العربية . دار الفكر , دمشق _ سوريا .

2 _ ما الفلسفة ؟ , سليم دولة , دار نقوش عربية , تونس .

3 _ هرطقات 1 جورج طرابيشي . دار الساقي , بيروت .

4 _ ما الفلسفة ؟ , سليم دولة , دار نقوش عربية , تونس .

5 _ هرطقات 1 جورج طرابيشي . دار الساقي , بيروت .

6 _ الكتاب الأسود للشيوعية , مجموعة من المؤلفين .

Michel Onfray vs Freud


Vidéo proposée par Monsieur Buzz